المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
مـأساة شيبة سبعينيـــة .....

عينان غائرتان، ووجه قد حفرت به السنون الخمسة والسبعون من عمر صاحبها شواهد الإعياء والتعب ولحية بيضاء  تحمل رمز الوقار لهذا الشيخ السبعيني  الذي يجلس خلف مقود سيارة الأجرة التي اوقفتها، سيارة بالية ذات اللون الأصفر، لون ذو حالة متصلة شوارع بغداد اليوم، فاللون الأصفر يرمز في بعض الأحيان للحقد والأنانية وهي المحركات الحقيقية لنزيف الدم المستمر، ومنه وصِفَت مخططات الشعوبية الصفوية القادمة من الشرق بالريح الصفراء.
تبادلنا التحية، والألم الموار يسحقني، فمثل هذا الشيخ الكبير يجب أن يعيش بقية حياته في راحة وهناء وله مَن يخدمه، لكنها الحياة التي نعيشها التي غيّرت عندنا قواعد الحياة وخياراتها المنطقية ..لم تسر السيارة إلا دقيقة لنقف مضطرين لمرور رتل أمريكي، ثم عدنا للسير لنقف مرة أخرى في طابور طويل كي نجتاز حاجزاً لقوات حفظ النظام التابعة لوزارة الداخلية لأننا سكان مدينة سُنّية باسلة ارتأوا أن يقيدوها علها تركع ولكن .. هيهات.
تأوَّه الشيخ متسائلاً: متى ينتهي هذا العمر؟ .. لقد أتعبتنا الحياة يا ولدي .. حاولت الإجابة مُنْتقياً لكلمات التصبير والتثبت والتذكير بالقضاء والقدر، أبدى رضاءه بقدر الله تعالى، ولكن آهاته المستمرة أثارت فضولي فتجاذبنا الحديث فاستنشق بعمق وتنهد بعدها وقال:
(أنا من أهل الفلوجة، احترق بيتي في معركة الفلوجة الاولى .. تلك المعركة الأسطورية التي مرغت أمريكا في وحل الهزيمة وعلمتها درساً من دروس التاريخ  ، فخسرتُ كل شيء ، خصوصاً انني كنت مستأجراً للبيت، فالتعويض الذي عوّضوهم به لم يشملني، كنا أسرة فقيرة، ولي ثلاثة أبناء وسبع بنات ، أبنائي طلاب في الجامعة في بغداد، وبعد أن فقدت كل ما أملك في الفلوجة، قررت أن أنتقل الى  بغداد، فابنائي يدرسون هناك، وهذا سيخفف عني أجور المواصلات، وفي الحالتين سأستأجر بيتاً.
كان الشيخ السبعيني يتحدث بنبرة وتنهد يجعلك تستجمع كل قواك لتسمع المأساة:
(لقد مد لنا يد العون أهل الخير وجلبوا لنا بعض
الحاجات الضرورية للحياة" فتنهد وهزّ رأسه وعيناه المرتجفتان بالكاد تحبس دموعه العزيزة "وذات ليلة كانت أم أبنائي تكمّد رأس أحدهم علّها تخفض حرارته المرتفعة لأصابته بالزكام).
وبعد أن مضى هزيع من الليل طُرق الباب، فهبت الأم المسكينة التي ارتجف قلبها فأهل السُنّة في بغداد ترعبهم طرقات أبواب الليل، فشبح الاعتقال على يد الأمريكان والمليشيات الصفوية بملابس القانون أصبح أمراً معتاد.
نظرت الأم فرأت مغاوير وزارة الداخلية يقفون خلف الباب، فعلمت  أن خطراً ينتظرهم، ارتبكت وارتعدت فرائصها وقررت أن لا تفتح لهم الباب.. لكنها لحظات حتى دمروا الباب ووجدوا الأم المسكينة أمامهم فصوب احدهم بندقيته إلى رأسها الفاضل فخرت شهيدة على مذبح المأساة الكبرى التي تحل بسُنّة العراق.
طلبوا من الابناء الثلاثة أن يجلبوا هوياتهم، وعندما علموا أنهم من الفلوجة اُجريت حفلة إعدام جماعي ليُزَف الشباب الثلاثة إلى الحور العين بزفاف ملائكي مهيب تأخذ أمهم بيدهم نـحو أبواب السماء لتزف كلاً منهم إلى حوريته التي كان مهرها هذا الدم الطاهر المسفوح على حراب الصفويين.
أمّا هذا الشيخ السبعيني فكان ينظر من الطابق الثاني للبيت حيث كان ينام مع بناته السبعة، وعندها انتفض نافضاً غبار السنوات السبعين وليحمل بيديه المرتعشتين وظهره الذي حنته الأيام بندقيته الرشاشة وليهجم كالأسد الذي فقد أشباله ولبوته فقتل اثنين منهم، صمت هنيهة وهو يهزّ رأسه:
(رحمهم الله ورحم أمهم)، ولم أفق الا بعد شهر لأجد نفسي في المستشفى وقد أصابتني أربع اطلاقات؛ احداها دمرت إحدى كليتي، واثنتان استقرتا قرب العمود الفقري ومازالتا موجودتين واستخراجهما يسبب لي الشلل"، والرابعة قرب الحالب، وإحدى الرصاصات أدت إلى مضاعفات وتطورت لتتحول إلى مرض سرطاني أتعالج الآن منه.
تنهد عميقاً أحسست أنه يستجمع ألم قرن من الزمن وقال: "منذ سبعة أيام لم نأكل لا أنا ولا بناتي السبعة، فلم يبقَ لنا مصدر للرزق فحتى السيارة التي كنت اعتاش عليها أحرقها يومها مغاوير الداخلية ، وهذه السيارة التي أقودها أعطاني إياها أحدهم لأعمل بها سائق تكسي.

وصلت إلى محطتي الأخيرة، وأنا مابين شوق لمعرفة تفاصيل قصته وبين ألم يعتصرني مما حلّ بالعـــراقييــن وهم بين مطرقة المحتل الأمريكي وسندانة الإحتلال الصفوي



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."