رحلت بغداد .. وبقينا أيتاماً نبحث بلا جدوى عن نهر كان يُسمّى (دجلة) صدر بغداد الذي كنّا نلوذ به إذا ضاقت بنا الأحلام...بغداد .. يا بسمة الأمس .. مالي أراك حائرة في الوجوه تبحثين عن عين تؤويك من رصاصات المحتل .. عن قلب يضمّك إليه قبل أن تحرقك النار الفارسية .. إيهٍ يا بغداد .. حدّثينا عن المنصور كيف أختارك لتكوني اُم الدنيا وحاضرتها .. عن الرشيد كيف زيّن صدرك بقلادة المجد .. حدثينا كيف أنقذ شبابك الغضّ من براثن المجوسية .. عن ابن حنبل كيف عطّر جوّك بفتاويه .. حدّثينا يا بغداد .. أما تذكرينا ..نـحن لم ننسك .. مازلنا واقفين .. برغم الجراح التي في أقدامنا .. برغم الرماح التي حاطت بأحلامنا .. مازلنا واقفين .. نعمل .. لنعيد إلى مآذنك نشيدها الإلهي .. الله أكبر .. الله أكبر .. حيّ على الصلاة .. حيّ على الفلاح .. لا إله إلاّ الله..مازلنا واقفين .. لنضمّد جراح سوق السراي .. لنعيد لسوق الغزل بلابله .. لنعيد للرشيد هارونه ليجزّ رؤوس البرامكة من جديد .. مازلنا واقفين نـحمل في أيدينا النور لنمزّق به ظلمات الاحتلال الأمريكي .. ظلمات الدسّ الفارسي .. ظلمات الجهل .. ما زلنا واقفين .. مازلنا واقفين لنغنى معا: بغداد يا بلد الرشيد بغداد يا قلعة الاُسود يا كعبة المجد التليد اعلم أنّك تشتاقين لي أكثر مما أشتاق إليك .. فالاُم تحبّ ابنها أكثر من حبّ ابنها لها .. أعلم أنّك لو ملكت الأمر لهرعت إلى دمعتي تحملينها - كما كنت- قبل أن تطأها أقدام الغرباء .. تحملينها لتسقي بها زهرة على نهرك الجريح (دجلة...)رويداً بنفسك أيتها الحبيبة .. واكتمي عني دموعك .. ولا تحزني على مَن شدّ رحاله بعيداً عنك .. تاركاً النيران الصفوية تلتهم تاريخك. وقد كبلوا شوارعك بملابسهم السوداء منتظرين وهمهم وقد ساموا أهلك سوء العذاب .. لا تحزني على مَن ترك دجلة يغرق بدماء أبنائك، فلك اليوم هاهنا أبناء عاهدوا الله أنْ يطهروك من أرجاس الغرباء وأن يعيدوا لسوق السراي عطر علمائك الذين ما زالت أصواتهم تصدح في عقولنا ، اطمئني، فتمثال المنصور وإن هوى أرضاً فلنا من منصته عيناً تعاتبنا وتذكرنا بأن الغدر الصفوي له جذوره البرامكية. لن أودّعك يا حبيبتي .. بل سأذهب إلى ذلك المكان الذي طالما التقينا فيه .. أتذكرينه؟ سأذهب إليه ..أعلم أنه غير موجود .. أعلم أنّه كان من أهدافهم أن يحطّموه ..ولكن .. سأذهب إليه .. أجلس فوق ركامه .. أنتظرك يا حبيبتي بغداد أنا وذكرياتنا .. سأذهب إليه .. قد تكون جدرانه محطّمة بصواريخهم الأمريكية .. قد تكون تماثيله هربت مذعورة من أنيابهم اليهودية .. قد تكون ابتسامته مقتولة بحقدهم الفارسي .. ولكن .. لي يقين أن لا قوّة في العالم تستطيع أن تمحو عطر ذلك المكان من آلامي .. إنّه عطرك يا بغداد الذي طالما أحيتني نشوته في (المتحف البغدادي).