لكل قارئ حكايته الخاصة مع الكتب، وطريقته في اقتنائها. لا زلت أذكر أول كتاب اقتنيته، كنت دون الخامسة، حيث ذهبت صدفةً مع أبي إلى معرض الكتاب، تصفّحت قصّة الخراف والذئب كانت أوراقُ القصة من الكرتون المقوى، كلما فتحتُ صفحةً تتحركُ الخرافُ وتظهرُ أنيابُ الذئب لامعةً كبيرةً. صارت القصة محل فخري بين أصدقائي في الرّوضة، وحزني الشديد حين امتنعتْ معلمتي عن إعادتها لي في نهاية السنة الدراسية. جرّبت يومها (ذاك المثل القائل): غبيّ من يعير كتاباً، وأغبى منه من يردّه قبل أن اسمعه!
يتحدث الشاعر الفلسطيني عبد الفتاح شحادة في مقالته المعنونة بـ كتب ومثقّفون عن ظاهرة جديدة منتشرة بين جيل من الكتّاب الشباب في غزّة، ظاهرة سرقة الكتب. ففي ظل الحصار المحكم على غزّة، وندرة الكتب الثقافية التي نالت حصّتها من تضاعف أسعارها، وجد الكاتب نفسه أمام أولوية تأمين الطعام والمسكن على أولوية الكتاب. هذه الظاهرة بين مثقفي غزة محكومة بقوانين -على حد قوله: ظاهرةٌ تحكمها قوانينها الخاصة، فممنوع على المثقف أن يسرق كتاباً من صديقه المثقف، أو من مكتبة أحد الكتّاب، ولكن مسموح سرقة الكتب من المكتبات العامة الأهلية والمكتبات التجارية.
وتلك ظاهرة، لا تقتصر على غزّة فحسب، بل أظنها ظاهرة عالمية، يلجأ إليها مهووسو اقتناء الكتب، فمكتبة دير سان بدرو في برشلونة تعلّق تعويذةً مريعةً: من يسرق كتباً، أو يحتفظ بكتب كان قد استعارها، عسى أن يتحوّل الكتاب الموجود في يده إلى أفعى رقطاء، وعسى أن يُصاب بشلل ارتجافي قاهر وأن تُشلُّ جميع أطرافه، عسى أن يصرخ عالياً طالباً الرحمة وعسى ألاّ تنقطع آلامه إلى أن يتحوّل إلى رمّة متفسّخة، وأن تعشعش الديدان في أحشائه مثل دود الموتى الذي لا يفنى. وعندما يمثل أمام يوم الدين لتلتهمه نار جهنم إلى الأبد.
قبل أشهرٍ قليلة، سوّلت لي نفسي بسرقة كتاب قميص الصوف لتوفيق يوسف عوّاد، كنت قد بحثتُ طويلاً في مكتبات عمّان عن مؤلفاته، لكني لم أوفّق، برّرتُ نيّة سرقتي؛ أنّ في مكتبة الجامعة نسختين من الكتاب، ولم يقم أي طالب باستعارته طيلة سنوات وجوده في المكتبة، لكنّي عدلت عن تلك النية، على الرغم أنني تذكّرتُ صديقاً، كان يردّد أنّ أباه أباح له سرقتين: الطعام والكتب، لكنه اشترط عليه: الحاجة والكفاية. فالكفاية تكون بالإفراغ من قراءة الكتاب، أما الحاجة فتلك في الرغبة بفعل القراءة والتعلّم ذاته، لا في شهوة اقتناء وتزيين المكتبة!
أهداني الصديق نفسه نسخةً من كتاب الصّبي الأعرج لتوفيق يوسف عوّاد، كما أكتفيتُ بقراءة قميص الصوف في قاعات مكتبة الجامعة، وحميتُ نفسي من وعيد المكتبة الإسبانية.