محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
ندوة البيان حول التركيبة السكانية - 1
أقامت البيان مؤخرا ندوة حول قضية التركيبة السكانية وونشرت محتويات النقاش في خمس حلقات على صفحاتها وكانت بإدارة د. محمد عبد الله المطوع وشارك فيها الفريق ضاحي خلفان (قائد عام شرطة دبي) و د. أحمد سيف بالحصا (رجل أعمال) ود. فاطمة الشامسي (الأمين العام لجامعة الإمارات) و د. أحمد خليل المطوع (الأمين العام لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية) و د. محمد المزروعي (الأمين العام للمجلس الوطني الاتحادي) ود. مطر عبدالله (المدير الإقليمي – البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة) و د. هند القاسمي (رئيسة مجلس الإدارة – الرسالة للتدريب والاستشارات) و د. نسرين مراد (أستاذة العلوم السياسية – جامعة الإمارات) ود. حسين الحمادي (مدير الدراسات والبحوث في وزارة الاقتصاد).
وقبل أن أخوض بأهم النقاط التي لفتت انتباهي في هذه الندوة, أردت أن أذكر بأمر بدهي وهو أنه لحل أي مشكلة لابد من حل سبب المشكلة وليس عرضها حتى نضمن تجنب المشكلة مرة أخرى, فمثلا لعلاج الحمى تصرف أدوية معينة لكن ليس بالضرورة أن يكون هذا علاجا للمشكلة فقد يكون وجود الحمى مجرد عرض من أعراض مرض آخر أشد لدى الشخص, وحتى لو كانت الحمى هي المشكلة الوحيدة فحلها بالدواء لن يمنع المشكلة من الوقوع مرة أخرى إلا إذا تجنب المرض ما يؤدي للمشكلة من الأساس. وعلى جانب آخر في العلاقات الزوجية نجد أنه بالرغم من محاولة حل الكثير من المشكلات التي تعترض الزواج إلا أن المشكلة التي تليها تكون دائما أعنف وأقسى والسبب الرئيسي في ذلك أن كل علاج للمشاكل السابقة كان علاجا للعرض وليس علاجا لسبب المشكلة وهو غالبا افتقاد الطرفين لأساسيات أي علاقة زوجية وهي الاحترام المتبادل والتفاهم والاستعاضة عن ذلك غالبا بأنانية من كل طرف والتملص من الواجبات وانعدام الاحترام لإنسانية الطرف الآخر !
وفي نفس السياق على سبيل المثال, نجد في الكويت لمحاربة ظواهر سلبية عندهم في انتخابات مجلس الأمة من شراء الأصوات وغيرها لم يتم استصدار قوانين أو التذكير بقوانين تجرم مثل هذه الأفعال وحسب ولكن تم العمل على علاج سبب المشكلة من الأساس وهو وجود 25 دائرة انتخابية غير متناسقة التوزيع بحيث توجد دوائر صغيرة وأخرى تحوي عدد كبيرا من الناخبين وكان من ضمن الحلول المقترحة لحل هذه المشكلة هو تغيير نظام الـ 25 دائرة انتخابية والعودة به إلى 10 أو 5 دوائر انتخابية لضمان التوازن النسبي بين دوائر الناخبين وهذا الاتجاة هو محاولة لحل سبب المشكلة وليس عرضها.
وفي حالة مشكلة التركيبة السكانية عندنا فلها عرضان أو اتجاهان وهو عدد المواطنين من مجمل السكان والآخر عدد المقيمين من مجموع السكان. فالنظر في حل المشكلة يجب أن يتعرض للجانبين وهو زيادة عدد المواطنين في مقابل التقليل أو التحكم في عدد المقيمين. ولو نظرنا بواقعية أكثر فإن عدد المواطنين ليس متناقصا ولكن نسبة زيادته بجانب نسبة زيادة عدد المقيمين الرهيبة المستمرة هو ما تجعله يبدو ضئيلا. لذا من الغباء بمكان أن يتم فقط مثلا زيادة عدد المواطنين بتجنيس مليوني مقيم لزيادة عدد المواطنين الحالي وهو قرابة 800 ألف من مجموع السكان الذي لو قلت أنه قرابة 5 ملايين فإن ذلك سيجعل عدد المواطنين حسابيا مليونين و 800 ألف مواطن وهو ما نسبته 56% مما يعني زيادة في عدد المواطنين ولكنه في حقيقة الأمر نحر حقيقي لهوية وثقافة مجتمع الإمارات الممثل بنسيج المواطنين الجدد !! لذا في رأيي التحدي ليس فقط في صياغة جديدة لقانون التجنيس ولكن أيضا في التعامل مع الزيادة المطردة بشكل مخيف ودائم في عدد المقيمين ! وهو السبب الأساسي في تدهور أزمة التركيبة السكانية وهو ما سببته دبي في الأساس من خلال نظرتها الاقتصادية البحتة في البداية والتي شعرت مع فوات الأوان بالضرر الفادح لعدم موازنة جميع خطواتها من نواحي أخرى اجتماعية وسياسية وحتى اقتصادية, لذا ليس مستغربا أن يقوم رئيس الحكومة حاليا بتشكيل لجنة دائمة لعلاج القضية وهو في هذا استناد على ظهر الدولة ككل في حل المشاكل التي سببتها حكومته المحلية له ولجميع الدولة. – وهذه اللجنة للقضية السكانية ليست الأولى وإنما كما ذكر الدكتور حسين الحمادي في هذه الندوة عن التركيبة السكانية ( شكلت لها لجان عدة منها ما ترأسها مسؤولون كبار في الدولة, لكن للأسف بالرغم من وجود ثلاث لجان والآن اللجنة الرابعة وقام بتشكيلها الشيخ زايد رحمه الله واللجنة قائمة ولكن للأسف, لأن اللجان تقوم على وضع استراتيجية دون دراسة الأرقام والبيانات خلال العشر سنوات السابقة ودون السرد التاريخي لهذه المشكلة) - في حين بالتوازي مع الرغبة في حل التركيبة السكانية نجد أنه علي سبيل المثال كانت عدد تصاريح الإقامة في دبي وحدها خلال النصف الأول من هذا العام هو 387 ألف إقامة جديدة !! وهذا الاستناد على الدولة لحل المشكلة ماثله اقتراح مهم من ضاحي خلفان في نهاية المؤتمر لحل مشكلة التركيبة السكانية في الدولة بقيام اتحاد خليجي سيجعل من عدد الخليجيين فيه 27 مليونا في مقابل 10 ملايين مقيم مما يعني أن نسبة المواطن الخليجي في هذا الاتحاد هي 72% وهو اقتراح مهم ليس على هذا الصعيد السكاني فحسب ولكن على عدة أصعدة أخرى سياسية – دوليا وإقليميا – واجتماعية واقتصادية. يبدو هذا الاقتراح علاجا ناجعا لهذه المشكلة لكنها لن تتم هكذا ببساطة فالاتحاد التساعي المفترض بين الإمارات السبع وقطر والبحرين في أواخر الستينات واجه كثيرا من العقبات وخاصة في توزيع المناصب والميزات والرئاسة والعاصمة و ونسبة التمثيل السياسي في المجلس الوطني وغيرها من الأمور المستجدة التي ستطرأ على هذا الاتحاد الجديد. على أنه يجب أن لا ننسى أن هذا الاتحاد الخليجي لو قام هل سيوقف من فيضان المقيمين المستمر في الإمارات ؟!! وبالتالي بقاء الزيادة المستمرة في أعداد المقيمين في الاتحاد الخليجي حتى يصير المواطن الخليجي أقلية مرة أخرى ؟! في رأيي أن سبب المشكلة من الأساس والتي يجب حلها هو التوقف عن الاستفراد بالرأي في المجتمع والتوقف عن وصم الآراء المخالفة للرأي الحكومي بالخيانة والتعرض للسياسة المحرمة لمجرد أنها لم تطبل للرأي الحكومي كما يجب ! فالاستفراد بالرأي والقرارات وعدم وجود أصوات الخبراء الوطنيين المستقلين – وليس المطبلين - في السياسة والاجتماع والاقتصاد وغيرها من المجالات هو الضمان الحقيقي لأفضل السبل من أجل صالح الدولة العام في جميع المجالات. فوجود الآراء المختلفة هو الحل الأمثل لتلمس الطريق مع أقل الأضرار. لذا من يعترض على وجود رأي آخر ويتحسس من النقد هو كمن يعيش بلا مرآة وتثور ثائرته إذا نبهه شخص إلى وجود شيء سلبي على أذنه مثلا فيتهمه بالحقد والتآمر والغيرة من أذنه ! أو يهمل ويغفل رأي غيره لأنه لا يرى هذه السلبية فهو لا يستطيع رؤية أذنه لعدم وجود المرآة أصلا ! فالنقد والرأي الآخر هو المرآة التي من خلالها يستطيع المرء رؤية جوانب أخرى من الصورة لم أو لا يستطيع رؤيتها ! والتعنيف على كل صاحب رأي آخر هو تعنت يؤدي إلى تراكم السلبيات نتيجة الاستفراد بالقرارات المصيرية دائما !
لذلك حينما بدأ د. محمد المزروعي أول مشاركة له في الندوة قال ( لماذا كل القوانين تتعثر أو لا تطبق بشكل جيد أو لا تحقق نتائج, حتى مؤسسة تنمية أو غيرها, المسألة يا إخوان مسألة دستورية من الأساس. يعني طبيعة النظام السياسي في دولة الإمارات قائم على طبيعة مختلفة, هناك اختصاصات للاتحاد وهناك اختصاصات محلية حتى لو شرع الاتحاد يبقى التطبيق للإمارة. وهذا حق دستوري, لذلك نرى بعض القوانين تصدر وبعض القرارات الوزارية تصدر لكن تطبيقها يبقى للإمارة. نحن لدينا اختصاصات واضحة في الدستور تشريعا وتطبيقا للاتحاد. وثمة بعض الاختصاصات تشريعا للاتحاد, وتطبيقا للإمارة) وهنا فيما يبدو ثارت ثائرة الفريق ضاحي للدفاع عن إمارة دبي بالتحديد وأنها تطبق جميع القرارات الاتحادية ! حتى قال له أخيرا د. محمد عبد الله المطوع ( طيب تطبقها, لماذا تحتج ؟!! من الممكن إمارة ثانية تقوم بهذا ! ) فأكمل بعدها مرة أخرى د. المزروعي ( نحن نقول دستوريا, حسب الدستور. الدستور وضع هذه المادة, يعني مادة تنافسية, مثلما لها جوانب إيجابية لها جوانب سلبية, أعطت تشريعات في بعض الاختصاصات.. هذه طبيعة النظام السياسي) فنبه د. أحمد بالحصا إلى أن ذلك يتعلق بإعادة النظر في الوضع الدستوري والتشريعات, فأكمل بعدها د. المزروعي قائلا (أنا أقول تأثيره على الجانب الاقتصادي, بمعنى تأثيره على العمالة, إذا أصدرت أية غرفة تجارية الآن رخصة تجارية, هل تستطيع فعلا وزارة العمل أن تمنعها أو لا تعطيها عمالة؟ دعونا نكن واقعيين !! هذه الحال, حال الترخيص, الرخصة تشريع اتحادي أو محلي؟ أعطاه الدستور للمحلي وهذا حقه. هذه النقطة كيف أثرت على مسألة التشريعات وكيف أثرت على تفعيل مثلا مؤسسة تنمية. من الواضح أن طبيعة الاختصاصات هي التي أثرت عكسيا ) وهذا الذي ذكره د. المزروعي من ملاحظة جوانب سلبية للنظام السياسي أؤيدها تماما فهو ذكرها من أجل تعديلها من أجل الصالح العام ولم يذكرها حقدا وتآمرا و من باب الخيانة السياسية كما قد يراها قصار النظر والذين لا يعون أهمية وجود الحرية في التعبير عن الرأي حتى لو كان مختلفا !! فوجود النظام الفيدرالي على الشكل الحالي كان يفيد فقط في بداية الاتحاد حيث كانت كل مشيخة ترغب في الاتحاد حتى لا تكون لقمة سائغة للقوى الإقليمية بعد رحيل البريطانيين وفي نفس الوقت لم ترغب أي مشيخة أن تفقد ميزاتها وثراوتها المحلية وأن لا تفقد حكمها فالإمارة التي تحكمها هي ملكها !
والناظر مثلا لمجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية في أعدادها الأولى فقط لعام 1975 يجد أنها كانت تضع عنوانين أخبارية في نهاية كل عدد تتعلق بجميع دول المنطقة ومنها دولة الإمارات المتحدة فمثلا من هذه الأخبار مثلا:
16-11-1974 : قامت سلطات دبي بإغلاق مجلة (المجمع) والتي يشرف عليها نخبة من مثقفي دولة الإمارات العربية المتحدة لنشرها مقالة عن المخابرات الإيرانية مترجمة عن مجلة نيوزويك الأمريكية ولقد ذكرت جريدة الوطن الكويتية أن سلطات دبي هي التي أغلقت المجلة في حين أنها انشئت بناء على قرار الحكومة الاتحادية وقد سبق إغلاق المجلة مرتين لنشرها مقالة انتقدت فيها الأوضاع في عمان والأخرى لنشرها مقالة هاجمت بها سياسة إيران التوسعية في الخليج وعمان وقد أجريت اتصالات مع الشيخ زايد رئيس الدولة خاصة وأن القرار جاء من سلطات دبي وهو يتناقض والقرارات السائدة في دولة الإمارات !!
20-11-1974 : بدأت سلطات دبي بحملة اعتقالات لبعض العناصر والتحقيق معهم ولم يفرج عنهم وتأتي هذه العملية إثر ردة الفعل الشعبية في دبي بعد إغلاق (المجمع الثقافي) ومجلته الناطقة بلسانه إثر كتابتها مقالا عن الطائفية والقلبية في تشكيل الوزارة وتطرقها لبعض القضايا التي اعتبرتها السلطات مثيرة للشقاق !!
15-2-1975 : احتلت القوات المسلحة لرأس الخيمة قرية (حباب) في الفجيرة ولكنها انسحبت منها في أعقاب تدخل رئيس وزراء الاتحاد !! وجاء هذا الحادث في أعقاب المناقشات في مجلس الشورى الاتحادي حول سلطات حكام الامارات في عقد اتفاقات منفصلة مع الدول الأخرى على غرار اتفاقية دبي وإيران !!
12-5-1975 : أذاع المجلس الأعلى للدولة بيانا أعلن فيه توحيد القوات الدفاعية للإمارات في جيش اتحادي واحد يكون له وحده حق حيازة أسلحة جوية وبرية وبحرية وأكد البيان على اختصاص السلطات الاتحادية في مجالات الشئون الخارجية والبترول.
18-5-1975 : أصرت دبي على استقلالية جيشها وعدم ضمه إلى الجيش الاتحادي !!
24-6-1975 : تشكلت بعثة عسكرية تضم خبراء من المملكة العربية السعودية والأردن لتوحيد قوات الدفاع المفنصلة في دول الإمارات استجابة لقرار المجلس الأعلى في الدولة.
27-6-1975 : اشترت دبي طائرتين نفاثتين من إيطاليا ستستخدمان في تدريب سلاح الجو في دبي !!
هذه مجرد نماذج من الأخبار التي كانت بعد بضع سنوات من قيام الاتحاد ! فالهيكلية التي قامت عليها الدولة في البداية تأتي كأفضل للحلول حينها خاصة مع وجود تلك العقليات القبلية والرغبة ببقاء كامل السلطة كل في حدود إمارته على أقل تقدير ! لذا من الطبيعي أن تتقدم الأمور وأن يعاد النظر في هذه الهيكلية وأن تكون الحكومة المركزية الاتحادية صاحبة السلطات الأقوى على جميع الحكومات المحلية وأن تكون إدارة الثروات الطبيعية كالغاز والبترول والجنسية والإقامة من اختصاصات الحكومة الاتحادية بحيث تكون قوة الحكومة الاتحادية ضامنة لبقاء التقدم من أجل الصالح العام المدروس من جميع الجوانب وليس من أجل صالح مادي لحكومة محلية يكون ثمنها فادحا على الدولة ككل ! وإلا كيف يتم السماح مؤخرا أن تبيع رأس الخيمة جزيرة بالكامل لليابان لإقامة منتجع سياحي بطابع ياباني فيه ! وقبلها دبي ببيع جزر في مشروع جزر العالم وتملك الوحدات السكنية للأجانب !! يبدو أنهم يتناسون بدهيات كثيرة وأقلها بدهيات سيادية ومستقبلا أمنية سياسية ! على أساس أنه من أجل الاقتصاد المفتوح والعولمة والخصخصة وغيرها من الأمور التي يزعجوننا بها ولا يراعون في تطبيقها أية جوانب احترازية سياسية ! فكما يقول محمود عوض في مقال له منذ حوالي شهرين – موقع العربية - عن الفساد في مصر وفي خضم حديثه عن الخصخصة التي قال عنها وزير الاستثمار في مصر دفاعا عنها وعن عدم قناعة الشعب المصري بالخصخصة سببه أن ( الناس لا يزالون عائشين في الماضي ) !
فعقب قائلا :
(الوزير حر في رأيه. لكن ما رأيه في النمسا، وهي دولة رأسمالية وعضو في الاتحاد الأوروبي وتؤمن تماماً باقتصاد السوق؟ لقد تحمس وزير الاقتصاد النمسوي اخيراً وبشدة لدراسة عرض من مجموعة مالية بريطانية لشراء شركة نمسوية لصناعة الصلب. الرأي العام النمسوي ثار بشدة غضباً من وزير الاقتصاد، ما دفع مستشار النمسا ألفريد غوسينباور ليعلن بصريح العبارة أن مثل هذا البيع لإحدى جواهر الصناعة النمسوية هو كارثة لا بد من وقفها. وفعلاً تم رفض العرض البريطاني نهائيا ورسميا في 28/3/2007. أكثر من ذلك تحرك جزء ملموس من النخبة الصناعية المؤثرة في النمسا يدعو إلى إقامة مؤسسة قومية تسمى «صندوق النمسا» برأسمال مبدئي بقيمة بليون يورو (1300 بليون دولار) يتزايد ليصل إلى خمسة بلايين يورو، وبضمان حكومي، مهمته الأساسية شراء حصص مسيطرة في رأسمال الشركات الكبرى المغرية للأجانب منعا لرأس المال الأجنبي من الاستحواذ عليها، بل وحتى تمويل إعادة تأميم بعض الشركات السابق خصخصتها في سنة 2003. هؤلاء رأسماليون في بلد رأسمالي لكنهم أدركوا بالغريزة والتجربة أن الوطنية في الاقتصاد ليست ولن تكون موضة قديمة. بل إن مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة والمدافعة البارزة عن الخصخصة في الغرب كانت تصر في كل عملية بيع من القطاع العام إلى القطاع الخاص على أن تحتفظ الحكومة لنفسها بما يسمى «السهم الذهبي» في رأسمال الشركة المباعة تحسباً لمخاطر محتملة من بينها إعادة بيع الشركة مستقبلاً إلى أطراف أجنبية قد لا تتماشى مصالحها مع المصلحة البريطانية. وبالمناسبة كشف تقرير صحافي اخيراً في مصر عن أنه قبل سنوات عدة طلب مستثمرون من قطر شراء أراضٍ في سيناء ثم تبين بالصدفة أنهم واجهة لأطراف إسرائيلية ستقوم تالياً بإعادة شراء الأراضي المصرية من القطريين. )
ولماذا نذهب بعيدا في ذلك ! ألم تتعالي الصيحات الرافضة حاليا في نيوزلندا نفسها على عرض دبي لشراء مطار نيوزلندي ! ومن قبله الرفض الأمريكي لأن تدير دبي موانئها !! من الغريب أننا نواجه مثل هذا الرفض ولا نتعلم منه في التعامل مع قضايا الاقتصاد عندنا !! وكأن القضايا مالية بحتة ! وهذا يؤكد أهمية إعطاء المجال بشكل حقيقي لمختلف الآراء للتعبير عن رأيها حتى لو كان معاكسا لرأي طويل العمر من دون أن يكون ذلك مدعاة لوصمه بالخيانة والتضييق على صاحبه لمجرد رأيه ! والمفكر الأمريكي المعروف نعوم تشومسكي لم تمنع أمريكيته من أن تكون كثير من كتاباته في نقد الامبريالية الأمريكية و سياسات أمريكا الخارجية ولم يكن هذا أبدا مدعاة لأن تسحب منه الجنسية الأمريكية أبدا !! ولم تمنعه يهوديته – فأمه يهودية لكنه علماني – من توجيه النقد الدائم للسياسات الاسرائيلية! فنقد سياسة الحكومة من أجل الصالح العام ليس مردافا للخيانة إلا إذا اعتبرنا أن أفراد الحكومة ليسوا بشرا وأنهم معصومون وأن أعضاء الحكومة هم الدولة !
|