محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
هل نكف علم السياسة عما شجر بين الصحابة ؟
يقول أحدهم في رسالته الالكترونية لي بأنني أقرأ من التاريخ ما هو سلبي وأغفل الإيجابي أو ربما لا ألقي له بالا. وبأنني أنشغل بالجانب المعتم من تاريخنا. هل يعقل أن أقرأ كل ما هو سلبي حتى أكون سياسيا جيدا ؟ هل يعقل أن أبحث عن عثرات غيري وأضعها في دربي لأكون سياسيا جيدا ؟ هل انصرف عن قضايا حاضري بالبحث عن قضايا أضحت تاريخا ؟ أنت تبدو في كتاباتك مركزا على السلبية فقط وكأنه إرث رائع يجب الزهو والتفاخر به ! نحن ولدنا في دولة حققت المعجزات ولا نريد أن يشوب هذه المعجزات أحداث مأساوية قد تكون من تاريخ دولتنا لا نريد أن نعيها في حاضرنا الآن.
هل الأنبياء معصومون ؟ هم معصومون من ناحية تبليغ رسالتهم من دون خطأ أو نقص أو تحريف للناس ولكن في بقية الأمور هم يظلون بشرا وإن كانوا أكمل البشر. لكن الكمال هنا نسبي بالمقارنة مع بقية البشر. ولو كانوا معصومين من جميع النواحي لكانوا ملائكة. فالنبي موسى عليه السلام قتل رجل خطأ ويوسف عليه السلام كان على وشك الوقوع بالفاحشة لولا أن رأى برهان ربه. بل إن الله عز وجل عاتب محمدا عليه السلام أكثر من مرة وكل تلك الأمور مذكورة في القرآن. نعم هذه الأمور مذكورة في القرآن بل فوق ذلك قد خلد الله في قرآنه آراء مناقضة تماما لفحوى الرسالات التي بعث بها رسله. ففرعون يقول " أنا ربكم الأعلى " بل إن الله عز وجل في أكثر من مرة سرد الحوار الذي دار بينه سبحانه و تعالي وبين إبليس بالرغم مما يحويه من مغالطات ونحن إلى الآن نقرأ هذا الحوار في أكثر من موضع في القرآن.
اظنه من الواضح هنا أن النظر إلى السلبيات هو للاستفادة منها وليس للزهو أو التفاخر بها أبدا ! فهل ذكر الله لقتل النبي موسى رجلا خطأ في القرآن هو من باب التفاخر بهذا الخطأ مثلا ؟! من أشكل عليه ما اكتب من سلبيات فسببه إما أنني سيء جدا في توصيل فكرتي أو أن من يقرأ لي يعتبر أن الإيجابية هو مجرد التعامي عن السلبيات وتسليط الضوء فقط على الحسنات. وهذه فكرة خاطئة جدا أتمنى أن يقوم الفرد بتصحيحها وإلا صار صعبا عليه أن يتقبل النقد الشخصي على اعتبار من يوجه له ملاحظة شخصية هو إنساني سلبي وسوداوي ! على أن من يكتب بإيجابية من منظور هذا الشخص كثيرون كثيرون بالتركيز على الحسنات سواء على مستوى التاريخ الاسلامي أو على مستوى قضايا دولتنا المعاصرة. فمن يريد الإيجابية بهذا الاعتبار فإنه لن يعدم بتاتا من الحصول عليها وإيجادها بوفرة وغزارة.
على أن هناك جانب آخر خفي من هذا الاعتراض برز كثيرا من خلال بعض التعليقات التي تعتبر الحديث عن الصحابة وما حدث من بعد عهد النبي هو انتقاص لهم وهو طريقة غير مباشرة لإضفاء القداسة لبشر بل صار عقيدة للبعض عدم الخوص فيما جرى بين الصحابة هو الواجب اتباعه للجميع. الصحابة بشر وقد يخطئون كما حدث من أمور كثيرة من بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام ولكن محاولة رفض الاستفادة من هذا التاريخ على اعتبار أنه انتقاص وقدح في صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم هو محاولة لإضفاء القداسة لبشر هو قد يكون رد فعل غير مباشر لإدعاء الشيعة العصمة لإئمتهم الاثني عشر وكما هو واضح ادعاء العصمة والقداسة لأية بشر هو تكلف وخطأ واضح فإذا كان الأنبياء يخطئون كما وثق ذلك القرآن ونحن نستفيد من هذه الأخطاء فكيف لا نستفيد مما حدث بين الصحابة وهم بشر ؟! هل عندما أقول كما ذكر القرآن بأن النبي موسى عليه السلام قد قتل رجل خطأ أنني انتقصت أو قدحت أو شتمت النبي موسى عليه السلام ؟! بالطبع كلا ! الأمر يشابه تماما عندما يخطئ الصحابة وهم دون جميع الأنبياء بكل تأكيد ! فهل نستفيد من هذه الأحداث والأخطاء ؟ بالطبع الناس في هذا الموضوع على طرفي نقيض تماما فمن الشيعة الذين يقدحون في الصحابة ويقذعون القول فيهم بشكل مهول وبين السنة الذين يقدسون بطريقة غير مباشرة الصحابة بحيث يتهمون كل من يتحدث ويرفضون الحديث عن الخوض فيما جرى بين الصحابة ! طبعا فوق ذلك هناك تقديس لعلماء الدين حيث انتشرت مقولة لأحدهم وهو ابن عساكر عندما قال "لحوم العلماء مسمومة" بحيث يواجه – بضم الياء- كل من يناقش أفكار أحد رجال الدين بأنه يقدح ويخوض في لحوم العلماء المسمومة ! على اعتبار أن مجرد معارضة ومناقشة آراء رجال الدين كبيرة من كبائر الدين ! فهنا يقع إشكال تقديس البشر بصورة مباشرة كأئمة الشيعة أو غير مباشرة كالصحابة ورجال الدين بل وحتى رجال السياسة وولاة الأمور كما يحصل في هذه الأيام !
المشكلة أن يأتيك أحدهم ويقول لك على أساس أنها حقيقة مقدسة ومطلقة يقول امام السنة الفلاني من عقيدة أهل السنة والجماعة عدم الخوض فيما جرى بين الصحابة إلخ بينما الله عز وجل في قرآنه ذكر أخطاء للأنبياء وعاتب خاتم الأنبياء ولم يكن ذلك نقيصة لهم أبدا !
عدم استفادتنا مما حدث هو من أكبر أسباب تخلفنا السياسي حتى اللحظة ! فبدلا من أن نتعلم مثلا من طريقة تنصيب كل خليفة من الخلفاء الراشدين الأربعة أنه لا يوجد طريقة دينية ثابتة في اختيار الخليفة بل هي أمر دنيوي سياسي فالخليفة الأول تم اختياره من بعد نقاش حاد في سقيفة بني ساعدة والخليفة الثاني بالتعيين من الخليفة الأول والخليفة الثالث من ضمن ست أفراد اختارهم الخليفة الثاني للتشاور فيما بينهم والخليفة الرابع من قيام مجموعة من الصحابة ببيعته. وأن نتعلم ان الخليفة الأول كان يطالب الأفراد بتوجييه النصح والتقويم له إن أخطأ والخليفة الثاني الذي يقول "أصابت أمرأة وأخطأ عمر" ولم يقم بنفيها أو قتلها ! واغتيال الخليفة الثالث الذي يبين مدى فداحة وخطر العمل المسلح ضد الخليفة أو السلطة إلخ بل إننا فوق ذلك انتكسنا إلى ملك وراثي ورجعنا سيرتنا الأولى إلى القبلية القديمة في فترة ما قبل الإسلام بحيث تكون الزعامة وراثية غالبا في القبيلة أو العائلة الواحدة ! يقول الدكتور عبد النفيسي : ( إن أحد أهم العوامل التي أدت إلى سقوط الأمة الاسلامية في براثن الانحطاط الحضاري والسياسي بعد صدر الاسلام هو إعراضها وإهمالها لشؤون الحكم والمجتمع وتوجهاته بل وغرقها في الشعر والكلام والفقه والفلسفة وكل الفضائل النظرية والاهتمامات اللفظية. بتعبير أوضح فإن المسلمين ابتعدوا عن الواقع والعمل على تصحيحه ليهتموا بعالم من الأفكار والتصورات. لقد تركوا أمر الحكم وإدارة المجتمع وصيانة أمنه ومستقبله تركوا كل ذلك ليقع بأيدي أفراد وفئات أقل ما يقال عنها أنها غير كفؤة وعديمة التقوى ومنافقة وذليلة! وهكذا أصبح الحكم وشؤونه والعمل السياسي وقضاياه وعلى مر القرون من تاريخ الأمة منافيين للفضيلة والتقوى ومرتبطين بالقهر والتزوير والنفاق ولذلك أصبح الناس في عمومهم يتجنبون التورط في السياسة والعمل السياسي)
أذكر عندما كنت سلفيا أن أحدهم كان يقول لي "من السياسة ترك السياسة!" يقول النفيسي أيضا : ( هل نستطيع أن ننعزل عن السياسة والعمل السياسي؟ ينبغي أن ندرك أنه حتى لو قررنا بل وعقدنا العزم على ترك السياسة واعتزالها فإننها لن تتركنا ! لماذا ؟ لأن السياسة هي الإدارة العامة لشؤون الناس, وهذه الإدارة إما أن تؤدي إلى عدل إو إلى ظلم. والقرار السياسي في النهاية هو الذي يحدد طبيعة التعليم الذي نتلقاه وطبيعة الطعام الذي نأكله وطبيعة المسكن الذي نسكنه وطبيعة الطريق الذي نعبره وطبيعة الجريدة التي نقرؤها وطبيعة المذياع الذي نسمعه وطبيعة التلفاز الذي نشاهده وكمية الدراهم التي نحملها في المحفظة. نحن مادة القرار السياسي الذي يتخذه الأمير أو الملك أو الرئيس. نحن المعنيون به. نحن ضحاياه أو فرسانه. عليه إذن فالقرار السياسي ليس شيئا منعزلا عنا لا يؤثر فينا أو يتجاوزنا أو يتخطانا. إن قرار لنا أو علينا ولا وسطية في هذا الأمر. ومجالس الوزرات والوزراء وهذه الجيوش الإدارية وهذه الوزارات ما هي إلا أدوات لتنفيذ القرار السياسي ونقله من كونه فكرة تتأرجح في رأس الأمير أو الملك أو الرئيس إلى واقع نعيشه في البيت. وحيث أن أمر السياسة والقرار السياسي يمسنا إلى هذه الدرجة فينبغي أن ندرك أن مصلحتنا تقتضي عدم اعتزال السياسة. بل تقتضي مراقبتها والمشاركة فيها باتجاه يضمن أن يكون القرار السياسي متمشيا مع المصالح العليا للوطن فالوطن ليس شعرا وليس نشيدا ولا بيرقا مطرزا ولا عرضا ! إنما الوطن هو الأمن والخبز والحرية والمساواة وكل ذلك في إطار من المشاركة السياسية. فالأمن وحده لا يصنع الانتماء للوطن لأن حظيرة الخنازير فيها أمن. والخبز وحده لا يصنع الانتماء للوطن لأن كل مواخير العالم فيها خبز. والحرية وحدها لا تصنع الانتماء للوطن لأن كل أدغال العالم وأحراشه فيها حرية. والمساواة وحدها لا تصنع الانتماء للوطن لأن كل سجون العالم ومعتقلاته فيها مساواة )
لذلك عندما أحيل معضلة التركيبة السكانية في الدولة إلى أهم مسبب لها وهو السياسة المجنونة في المشاريع العقارية السكنية البحتة مع فتح باب التملك للأجانب بلا ضوابط هو ليس سلبية ولا سوداوية بل محاولة للنظر إلى مسببات المشكلة الحقيقة للتمكن من حلها. وعندما أحيل إلى السيرورة التاريخية لمفهوم المواطنة في العالم أجمع وأقارنه بواقع المواطنة عندنا أنا لا أكون سوداويا بل أحاول التأكيد على توضيح وتعزيز معنى حقيقي للمواطنة عندنا ويدل بشكل كبير على أن المواطنة غير متحققة هو وجود التعليقات العنصرية بين أبناء الوطن الواحد !! وعندما أحيل إلى الحاضن الحقيقي – في رأيي أنا على أقل تقدير – لفكر التصنيف والتكفير والتفجير من خلال التاريخ أو حتى من خلال دعوة دينية معينة فأنا أحاول وضع اليد على الجرح لعلاجه لا لمجرد التغني بالسلبيات والتفاخر بها ! هل يمكن معالجة المشكلة قبل الاعتراف بها ومواجهتها ؟
اليابان وألمانيا دمرتا بشكل هائل بعد الحرب العالمية الثانية. لكنهما تعلما من أخطائهما في الماضي وانظر إلى حالهم الآن هما من أكبر الدول الصناعية في العالم الآن ! ونحن العرب نتلقى النكبة تلو النكبة. والأزمة تلو الأزمة. ونمتلك مخزون استراتيجي هائل للنفط أو الذهب الأسود. لكن أين الدولة العربية الصناعية؟ أين هي الدولة العربية ذات الثقل السياسي عالميا ؟ أين نحن الآن من الوحدة العربية؟ أو حتى من تكتلات عربية قوية على أقل تقدير ؟ هل تعلمنا من أخطاءنا ؟
حتى الياباني المستعرب نوبوأكي نوتوهارا يقول (لماذا لا يستفيد العرب من تجاربهم؟ لماذا لا ينتقد العرب أخطاءهم؟ لماذا يكرر العرب الأخطاء نفسها؟ نحن نعرف أن تصحيح الأخطاء يحتاج إلى وقت قصير أو طويل. فلكل شيء وقت ولكن السؤال هو: كم يحتاج العرب من الوقت لكي يستفيدوا من تجاربهم ويصححوا أخطاءهم ويضعوا أنفسهم على الطريق السليم؟)
بالمناسبة عنوان المقال هو عنوان لكتاب لطيف للكاتب السعودي عبد الله الحامد وهو إصلاحي شهير تم سجنه في السعودية بسبب آرائه الإصلاحية.
|