محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
نصف درهم
كان صاحبي المراهق يصغي باهتمام كبير لما أقول , وكان يقاطعني من حين لآخر للأستفسار أو للتأكيد أو لأبداء اعجابه أو استياءه , والحقيقة ان متابعته الجيدة شجعتني على الحديث والمتابعة ..فقلت له مبتسما
عندما صعد البدوي الحافلة, قدم ورقة من فئة مائة درهم الى المحصل الذي أخذ ثمن التذكرة وأرجع له الباقي وقال له
لازال في ذمتي نصف درهم سأرجعه لك حالما يتوفر لي
حدق البدوي في يده كأنه يتأكد من الباقي ورفع بصره الى المحصل وقال بفضاضة
المهم أن ترجعها .... قبل أن أنزل
لم يعره المحصل أهتماما كبيرو قال له
ان شاء الله
كان البدوي يجلس أمامي مباشرة وكانت تفوح منه رائحة عرق كريهة ممزوجة برائحة سجائر رديئة وكان يرتدي جلبابا صوفيا بني اللون رغم أن الجو كان حارا جدا , وكان يدير رأسه مع صعود كل راكب او نزوله وتجده أحيانا يتابع حركات السيارات القادمة حتى تلتقي عيناه بعيني فيدير رأسه الى وضعه العادي لينشغل مرة أخرى بمتابعة عمارة من العمارات المتراصة على جنبات الطريق
وكان يستغل كل فرصة يقترب فيها منه المحصل ليذكره بالنصف درهم المتبقية عليه حتى مللنا منه ومللنا من وجوده بالقرب منا
وعندما ضاق المحصل ذرعا به وبملاحقته قال له
اصبر حتى أحصل على نصف درهم وأعطيه لك
قال له البدوي
سأنزل بعد محطتين وأريد درهمي الآن .....ثم أني أعرفكم وأعرف ألاعيبكم
فقال المحصل
ماذا تقصد ؟
رد عليه البدوي بوقاحة
حيلة أن ليس لديك نصف درهم لا تنطلي علي ...كلكلم تقولون ذلك حتى يضطر الراكب للنزول دون أخذ باقي حقه ... وتسرقوه منه عنوة
تصاعد الدم في وجه المحصل وقال للبدوي
خذ هذه درهم ... فقط أقفل فمك الكريه
رد البدوي باصرار
لا أقبل إلا بنصف درهم حقي ... أنا لا أكل أموال الناس بالباطل
اهتاج المحصل وكاد أن ينفجر من الغيظ وقذف بالدرهم بين رجلي البدوي فوق جلبابه
وهنا وقف البدوي ثائرا وأمسك بعنق المحصل بيده اليسرى وحاول أن يهوي على وجهه باليد اليمنى لولا أن تدخل رجلان أبعد أحدهما المحصل بعيدا فيما أمسك الآخر بيد البدوي وأجلسه على مقعده وحاول تهدئته
لكن البدوي إستمر في القاء عباراته البديئة في حق المحصل وقال للرجل الجالس بالقرب منه
تصور أن كل مائة راكب يسكتون عن أخذ نصف درهم من حقهم ,هذا يعني ان المحصل يتبقى له خمسون درهما في اليوم أي ألف وخمسمائة درهم في الشهر يعني أكثر من راتبهم في الشهر....هذا حرام
وعندما لم يجد تجاوبا من الراكب الجالس بجانبه سكت وزم شفتيه
وكان المحصل يقف بالقرب من باب النزول.. فتوجه اليه الرجلان اللذان فكا النزاع بينه وبين البدوي
وفوجيء بأحدهما يدس ورقة نقدية من فئة مائتي درهم في يده ويقول له
مع السلامة... واعتن بنفسك
وقبل أن يستوعب المحصل الأمر نزل الرجل وتبعه صديقه بخفة نمر
وانطلقت الحافلة من جديد فيما لا يزال المحصل يحدق باستغراب في المأئتي درهم التي بين يديه
وانتبه المحصل في هذه اللحظة الى أن البدوي عاود القاء عباراته التافهة وتحليلاته البليدة
لكن فجأة رآه يتحسس صدره في ارتباك ... ويقف بنرفزة واضحة وهو يتحسس جيبي جلبابه في حركات متشنجة وكأنه يبحث عن شيء مفقود له
وسمع الرجل الجالس بقربه يقول له
هل من شيء ؟
قال البدوي
محفظتي .... لاأجدها
قال الرجل
ابحث جيدا ... ربما وضعتها في جيب سروالك أو ربما أنك نسيتها في مكان آخر
قال البدوي
لا أنا متأكد أنها كانت معي عندما صعدت الحافلة......مصيبة .... انها مصيبة
قال الرجل محاولا تهدئته
هون عليك ... هل فيها من أوراق مهمة ؟
قال البدوي
فيها ثمن العجل الذي بعت هذا الصباح في السوق....ثمانية آلاف درهم ...ياويلي ....سرقت ... لقد سرقت.....يا ويلي ..... زوجتي ....ياويلي
وهنا فهم المحصل سر الرجل الذي أعطاه المائتي درهم فسها في جيه وزم شفتيه
قال صاحبي المراهق
الرجلان كانا اللصين الذي سرقاه .... صحيح ؟
قلت مبتسما
صحيح وقد رق قلبهما وهما اللصان لحال المحصل وأهدياه ال مائتي درهم
وأضفت متابعا
لكن ليس كل اللصوص يرق حالهما مثل هذين اللصين
قال صاحبي المراهق
هذه حكاية أخرى ... صحيح ؟
ابتسمت وقلت له
نعم انها حكاية أخرى
تابع التدوينة المقبلة
|