المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
يوميات رحلة فرنسية : بين العرب والعمد

(3) بعدما خرجت من مطار مدينة ليون الفرنسية ، أخذت تاكسي ، فكان سائقه شاب جزائري . وعندما أخذت الاتوبيس الكهربائي من الفندق الى مقر المؤتمر الدولي " للمدن الكوكبية " اندهشت لسماعي أغنية " سنة حلوة يا جميل " باللهجة المصرية تنطلق من مؤخرة الباص ، لاكتشف عيد ميلاد أقامته مجموعة من الفتيات العرب المراهقات لاحدى زميلاتهن وشمل التصفيق والرقص ، بل والزغاريت على الطريقة المغربية . والأجمل أن سائقة الباص التي تبدو من أصول عربية هي الأخرى هنأت صاحبة عيد الميلاد بالاسم عند نزول الفتيات من الباص . وعندما دخلت مقر المؤتمر مع زميلتي الاستاذة الدكتورة سهير حواس قابلنا أحد الحراس : رجل أسمر طويل قوية البنية ، وحيانا مباشرة باللهجة المصرية : " حمدا لله على السلامة " . وكان مصريا مقيما في ليون منذ خمسة عشر سنة .
وهكذا شعرت أنني في مدينة مختلطة فرنسية عربية . وهكذا أيضا يتغلغل المهاجرون العرب في كل انحاء فرنسا ، مما يؤثر بلا شك على التركيبة السكانية والمستقبل الثقافي والاجتماعي هناك .
من هنا تنطلق مخاوف الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي والتي عبر عنها قبل انتخابه عندما كان وزيرا للداخلية ، وتسببت تصريحاته في ثورة " أبناء الضواحي " وهم المهاجرون الشبان . والذين سارعوا الى إشعال الحرائق احتجاجا ، حتى في ميدان الباستي ( وينطق بالعربية خطأ الباستيل ) في قلب العاصمة باريس ، فور الاعلان عن فوز ساركوزي بالرئاسة . وشاءت الصدفة أن أشاهد جانب من احتجاجات الشباب في ميدان الباستي .
والغريب أن ساركوزي نفسه أحد أبناء المهاجرين . وهذه أول مرة يصل فيها ابن مهاجر الى الرئاسة الفرنسية . لكنه ابن مهاجرة من بولندا وليس من المغرب العربي . إلا أن ساركوزي ، شديد الذكاء بلا شك ، سارع بعد توليه الرئاسة بالقيام بعدة أمور لافتة للنظر فيما يتعلق بموضوع المهاجرين لتغيير صورته كعدو لهم . منها تعيين ابنة مهاجر جزائري كوزيرة للعدل ، وهو منصب مهم في الوزارة . وإطلاقه اقتراحا بانشاء الاتحاد الاوربي المتوسطي والذي يجمع الدول المطلة على البحر الابيض المتوسط . وهو اقتراح فيما لو وافقت عليه كل الدول المطلة سوف يجمع بين دول اوربية وعربية منها ليبيا مع اسرائيل وتركيا . وهذه الفكرة تحتاج الى مساحة مستقلة للحديث عنها .
(4) لاحقتني موضة استخدام المعادن وبخاصة الزجاج في العمارة الفرنسية المقامة خلال السنوات الأخيرة في مدينة ليون أيضا . وفوجئت بأن مقر المؤتمر يقع في مركز المؤتمرات وسط مجموعات متشابهة من المباني تمتد واجهاتها لاكثر من كيلومتر ، وبارتفاع حوالي ستة طوابق ، وكلها مغطاة بالزجاج . تجلى التناقض من كون هذه المساحات الزجاجية الكبيرة تطل على الحديقة الكبرى لمدينة ليون ومساحتها عدة مئات من الأفدنة . فبدا الصناعي الحديث بلا لون يتحدى الطبيعي القديم الأخضر. الغريب أن جدران واجهات هذه المباني مكسوة ببلاطات من الخزف الأحمر ، وهي فكرة جيدة ومبتكرة . ولا أدري لماذا لم يكتف المصمم بها ، ولماذا وضع عليها جدارا آخر من الزجاج الذي يزيد المشاكل البيئية صيفا وشتاءا بالنسبة لشاغلي هذه الوحدات ؟
ومن التناقضات ايضا أن " المؤتمر الدولي للمدن الكوكبية " الذي عقد داخل هذه المباني ، فيما بين 14 و 16 مايو 2007 ، كان واضح الاهتمام بالبيئة . سواء من خلال مشاركة رؤساء مؤسسات وعلماء مهتمين بالبيئة ، أو من خلال أبحاث وأوراق عمل نوقشت في المؤتمر . وكان الهدف المشترك هو التقليل من كم الطاقة المستخدم ومن نسبة ثاني أكسيد الكربون والملوثات المنبعثة ، ونشر أكبر كم من المساحات الخضراء .
وكانت تجربة مدينة لندن التي عرضت من أكثر التجارب أهمية ، والهادفة الى مستقبل بلا كربون . فلندن مدينة كبيرة وعريقة ولها طراز معماري متميز ، لكنها ككل المدن الكبرى في العالم تواجه تديا قاسيا من التلوث ، وتغير المناخ . ويهدف المشروع الذي بدأته لندن الى تقليل كمية ثاني اكسيد الكربون المنبعثة في جوها بنسبة 60% حتى عام 2025 . مقارنة بعام 1990 .
بالطبع لم أستمع إلى احصائية تتعلق بتلوث دولة القاهرة ، ولا إلى الخطط المعدة للخفض من هذا التلوث ، فلم يكن في المؤتمر ممثل لا للقاهرة ولا لغيرها من المدن المصرية . على كل حال لم يشارك في المؤتمر سوى خمسة من العرب فقط ، من بينهما اثنان من المقيمين في أوربا ، والدكتورة سهير حواس وكاتب هذه السطور ، وطارق قباج عمدة مدينة أغادير المغربية الذي بادرني ذات مساء بتعريفي بنفسه قائلا : " العمدة المنتخب لمدينة أغادير وليس المعين " !! وفي المغرب يسمون العمدة أو المحافظ : " رئيس المجلس الجماعي " . ويسمون المدينة نفسها : " الجماعة الحضرية " .
وعلى ذكر انتخاب العمد لن أنسى ملامح السيدة " هازل ماكالوين " ذات الثلاثة والثمانين ربيعا والتي أسعدتنا بالعشاء معنا في الحفل الذي أقامه عمدة ليون على شرف المشاركين في المؤتمر . فالسيدة هازل هي العمدة المنتخب لمدينة " ميسيسوجا " في ولاية اونتاريو بكندا . وهي الوحيدة في كندا التي تكرر انتخابها خمس مرات متتالية ، على مدى العشرين عاما الأخيرة . قالت لنا هذه السيدة الجذابة ذات الحديث الطلي أنها ما زالت تقود سيارتها بنفسها ، وأن متعتها الكبرى هي في زيارات أطفال المدينة لها بلا موعد . فلقد اعتاد الاطفال أن يتقابلوا في الشارع قائلين انهم ذاهبون الى
" هازل " . يدخلون عليها مكتبها وينادونها باسمها المجرد : " هاي هازل " .
واضطرت السيدة هازل أن تغادر المؤتمر قبل يومه الأخير لأن لديها موعدا مهما متعلق بمشروع في مدينتها .
من أبرز أحداث المؤتمر تلك الزيارة التي قمنا بها لأحد مصانع واحدة من كبريات شركات الإضاءة في العالم ، ويقع خارج مدينة ليون . لم ندخل المصنع ، لكننا حضرنا عرضا في ميدان مصطنع ، يتوسطه تمثال لمحارب يمسك بسيف ، وتحوطه عدة مبان مختلفة . كان العرض يهدف لتوضيح تأثير الإضاءة في الإحساس بالمكان وإعطاؤه سمة ومعنى . راينا أولا نوعا من أعمدة الإضاءة المختفية تحت الأرض ، وعندما يبدأ الظلام يخرج العامود من مكمنه ليرتفع ويضئ . وهذا حل لمشكل الفراغ الذي يشغله العامود . ثم يضئ العامود بلا أسلاك .
أخذ الخبير يشرح لنا تغير الإضاءة قوة ولونا وزاوية على كل واجهة . فالمبنى الواحد يمكن أن يعطي الاحساس بمستشفى أو بملهى ليلي أو بمبنى حكومي اداري طبقا للعوامل السابقة . وتمثال المحارب نفسه يمكن أن يعطي الاحساس بمحارب منتصر أو منهزم طبقا لقوة الاضاءة وظلالها ولونها . وهكذا كان درسا عمليا قيما في أهمية الإضاءة والإنارة الخارجية . وهو الفرع الذي نفتقد اليه بشدة في مصر . ولا يوجد لدينا إلا قلة قليلة تعد على اصابع اليد الواحدة من الخبراء فيه . وأحمد الله أنهم يشكلون أحدث لجنة علمية نوعية في الجهاز القومي للتنسيق الحضاري برئاسة الاستاذ الدكتور بهاء مدكور . ويقومون حاليا بتصميم إضاءة عدد من التماثيل في وسط القاهرة . وهذه المرة الأولى التي يصمم فيها إضاءة التماثيل في مصر خبراء متخصصون .
كما خصصت إحدى جلسات المؤتمر لمناقشة أهمية الإضاءة الخارجية في العمران ، جمعت بين تجارب وخبراء من فرنسا والمانيا . واعتبروا الإضاءة من عناصر تشكيل شخصية المدينة ، ليس فقط جماليا ، وإنما عمليا وأمنيا . ولقد فازت مدينة " لايبزج " الألمانية في العام الماضي بجائزة
" إضاءة المدينة " لتجربتها المتميزة وتخطيطها لاستراتيجية خاصة بإضاءتها . وأرجو أن يقيم الجهاز القومي للتنسيق الحضاري مثل هذا النوع من المسابقات ، وليبدأ بإضاءة ميدان أو شارع .
فالاضاءة جزء من الطابع المعماري . والمهم في الطابع المعماري ليس الشكل الخارجي فقط ، ولكن أيضا علاقة المبنى بمحيطه ، وعلاقته بالزمن ، وقدرته على مقاومة المتغيرات البيئية . علاقة المبنى مع الزمن تحوي في طياتها معان وأخبار عن ماض ولى ، وحاضر معاش .



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."