محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
النجاة من جحيم غوانتنامو

هذه مقابلة أجريناها مع المعتقل البحريني عادل كامل والذي كان محتجزا في سجن غوانتنامو
عادل كامل عبدالله؛ موظف سابق في وزارة الدفاع البحرينية وعضو في جمعية الإصلاح الخيرية، في أوائل عام 2001 أراد الانضمام إلى إحدى المنظمات الإنسانية التي تعنى بتقديم مساعدات إلى الشعب الأفغاني المنكوب غير أن الشرطة الباكستانية ألقت القبض عليه عند محاولته عبور الحدود وسلمته إلى السلطات الأمريكية فأمضى أربع سنوات في سجن غوانتنامو الشهير في كوبا بمعية خمسة محتجزين بحرينيين آخرين كان يطلق عليهم اسم الأعداء المقاتلين* وقد أطلق سراحه في الرابع من نوفمبر 2005 دون أن توجه إليه أية تهمة.
العزلة في السجن
تم اقتيادي إلى قاعدة عسكرية في جزيرة كوبية غير مأهولة بعد أن سلمتني الشرطة الباكستانية إلى السلطات الأمريكية، وهناك فقدت القدرة على تمييز الوقت فقد كانت الأضواء قوية جدا فضلا عن صوت الضجيج المستمر؛ كنا معزولين تماما إذ لم أر أي شخص – سوى المحتجزين- في ذلك المعتقل، فالزيارات ممنوعة كما اكتشفت أن الخطابات التي كنا نرسلها إلى ذوينا لم تكن تصل إليهم.
كانت ظروف المعتقل غير صحية على الإطلاق فلم يكن يسمح لنا بالاغتسال سوى مرة واحدة في الأسبوع لثلاث دقائق فقط على الرغم من ظروف الطقس الحارة والرطبة وملابسنا المصنوعة من البوليستر التي لم نحصل على غيرها؛ بالإضافة إلى وجود العديد من العقارب والحشرات والسحالي والفئران ومما زاد سوء الأوضاع في السجن إشراف عدد من الأطباء النفسيين الذين يسعون إلى تحويل المعتقلين إلى مجانين وقد فقدت الأمل في إطلاق سراحي جراء تلك الحال وأصبت بحالة من اليأس والحزن ولكنني توجهت إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء وحرصت على أداء الصلاة وقراءة القرآن الكريم وبمرور الوقت بدأت أشعر أنني في يد الله عز وجل وذلك ما منحني الصبر والقوة والقدرة على الاحتمال لمواصلة الحياة في غوانتنامو.
الحرية
وعدونا في فبراير 2004 بإطلاق سراح ثلاثة بحرينيين من الستة المحتجزين خلال ثلاثة أشهر؛ وقد كنت سعيدا لسماع هذا الخبر ليس لأنني سأخرج فهم لم يخبرونا من الذي سيفرج عنه من بيننا ولكنني كنت آمل أن يتم إطلاق سراح الآخرين؛ فهنالك من يستحق الخروج أكثر مني مثل جمعة الدوسري؛ إذ كنت أرى معاناة وألم بعض المحتجزين وأشعر أنني قادر على الصمود لفترة أطول.
علمت بقرار الإفراج عني قبل يوم واحد، حيث أخبرني أحد المسؤولين بأنهم سيطلقون سراحي في اليوم التالي وبالرغم من ذلك لم أصدق ما أخبرني به فقد سمعته مرارا دون أن يتحقق، ولكن في هذه المرة حدث أمر مختلف؛ فقد تغيرت معاملة الجنود لي وأصبحوا أكثر لطفا وإصرار على القيام ببعض الإجراءات الروتينية مثل الفحوص الطبية التي كانت أمرا اختياريا في السابق، لذلك عندما رفضت الخضوع إليها أحضروا إلي طبيبا ومسؤولا يقنعاني بضرورة إجرائها وقد فسرت الأمر في أنهم كانوا بحاجة على تقرير طبي يثبت أنني لا احمل أي علامات للتعذيب في جسدي.
بقدوم الليل تيقنت أنهم سيطلقون سراحي بالفعل ولكنني لم أشعر بأي بهجة لذلك فقد كان دون معنى بعد أربع سنوات قضيتها في السجن ظلما؛ كنت أشعر أن اعتقالي كان أمرا خاطئا لأنني مسلم عربي؛ لقد كنا جميعا أبرياء وخلال فترة اعتقالنا أدركنا أن الولايات المتحدة الأمريكية بكل ما تدعيه من مناصرة حقوق الإنسان على الساحة الدولية، قد انتهكت حقوقنا لذلك أصبحنا نحن المحتجزين - من العرب وغير العرب- بمثابة أسرة كبيرة واحدة؛ كنا نهتم وندعم بعضنا بعضا وبعد أربع سنوات اعتدت على حياتي في غوانتنامو وشعرت لدى مغادرتي بأنني أترك أسرتي ورائي.
العودة إلى البحرين
كان أول شيء قمت به فور عودتي إلى الوطن هو الالتقاء بأسرتي؛ كنت مشتاقا إلى رؤية أمي وزوجتي وابنتي وأخواني وأخواتي وقد افتقدت الأجواء الودودة التي تتمتع بها البحرين خلال أربع سنوات من الأسر.
وتمضي الحياة
تم تأمين إطلاق سراحنا عبر اتفاق دبلوماسي بين الحكومة البحرينية والولايات المتحدة الأمريكية وقد كنت أخشى أن يتم القبض علينا فور وصولنا إلى البحرين حيث ظننا أن الإفراج لم يكن سوى عملية انتقال من سجن إلى آخر؛ فالبحرين بلد صغير على المستوى العالمي وقد تعهد بدعم أمريكا في "حربها ضد الإرهاب" ولكنني فوجئت لدى خروجي من الطائرة بوجود ممثل عن وزارة الداخلية في استقبالنا، رحب بوصولنا بعد أن تبادلنا الأحضان والقبلات قائلا "مرحبا بكم في البحرين" واصطحبنا إلى مكتب النائب العام حيث أبلغونا هناك تحيات الحكومة على رأسها صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى أل خليفة وكبار المسؤولين ولم يجبرونا على التوقيع على أية مستندات أو أوراق وأكدوا لنا أننا أبرياء ولا يوجد أي شيء ضدنا.
بالرغم من ذلك وجدت صعوبة بالغة في العودة إلى حياتي السابقة فأنا لم استعد وظيفتي السابقة على الرغم من وعود الحكومة كما ارتفعت تكاليف المعيشة في البحرين وتأثرت أحوالي المادية بسبب اعتقالي وفشل مشروعي، ولكنني استطعت مواصلة الحياة بمساندة أصدقائي وأقاربي.
الحياة في ظل الحرية
أتاحت لي غوانتنامو وقتا كافيا للتفكير في حياتي السابقة وذلك هو الجانب الإيجابي من التجربة؛ إذ تحسنت رؤيتي إلى الحياة وأدركت كيف يمكنني تطوير نفسي كما تغيرت طريقة تفكيري وحسابي للأمور والتصرف حيالها؛ إنني الآن أكثر هدوءا واستقرارا، وأنا أدعو الآخرين إلى أن يكونوا أكثر حكمة ووعيا بالحياة المحيطة وأن يفكروا قبل الإقدام على أي شيء.
لقد كان للسن والوقت دورهما؛ فقد كنت في السابعة والثلاثين من العمر عندما اعتقلت وأنا الآن في الثانية والخمسين وربما أبدو أكبر سنا وأثناء اعتقالي مررت بالكثير من المصادمات الشفهية والبدنية مع الحراس ولم أكن أستطيع التعبير عما أشعر به أو أرغب فيه على وجه التحديد لذا فإن القيود والهموم تجعلك تبدو أكبر سنا. ولكنني مازلت أمزح وألهو مع أصدقائي وأسرتي كما كنت في السابق وقد أبدى أصدقائي دهشتهم من ذلك فقد توقعوا أن أتكلم بشكل مغاير وأن تكون أفعالي مختلفة ولكنني أقول لهم" لماذا تندهشون، هل تتوقعون تغير رجل أمضى أربع سنوات في السجن؛ إن عادل الذي غادر البلاد منذ أربع سنوات هو نفسه الذي عاد الآن".
الاهتمام الإعلامي
أتأثر كثيرا عندما يأتي لتحيتي أناس لا أعرفهم؛ فأنا أشعر بصدق الاهتمام والحب والمساندة من خلال الدعم الذي يقدمونه إلي كما أنني أشعر بالإحراج كوني لا أعرف كيف أشكرهم وكل ذلك يزيد من حبي إلى البحرينيين وأشكر الله لأنه حببني إلى الناس.
من جانب آخر أشعر أنني أصبحت مشهورا؛ فوسائل الإعلام تمنحنا المزيد من الاهتمام لدرجة أنني أشعر أن كثيرا من الصحافيين أصبحوا أكثر اهتماما بالقضية من الناحية الشخصية وقد أجريت مقابلة مع أحد المراسلين الأمريكيين الذي حضر إلى البحرين طالبا أن أذكر له حقيقة ما حدث خلال السنوات الأربع في غوانتنامو كما اتصل بي "شادو بوكس"؛ أحد استوديوهات الأفلام الأمريكية لتحويل قصتي إلى فلم وثائقي.
لقد وافقت على إطلاع الإعلام على قصتي لأنني أرغب في أن يعرف الناس الحقيقة الغائبة في خليج غوانتنامو؛ فالأفلام الوثائقية مثل "الطريق إلى غوانتنامو" تظهر جزءا بسيطا لا يتعدى 10 – 15% من المعاناة والتعذيب اللذين يحدثان في مكان كهذا وفي رأيي لا تتعدى هذه الأفلام التعبير عن حالة الإحباط التي يشعر به المهتمون بالعدالة تجاه السياسات الأمريكية فكما أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر حقيقة واقعة كذلك انتهاك الولايات المتحدة لحقوق الإنسان والعدالة هو حقيقة واقعة أيضا.
أنا اعلم أن البحرينيين ليسوا على دراية بالأخبار العالمية، فهم أكثر اهتماما بالأحداث العربية ولكن ما أدهشني هو قلة عدد الأشخاص الذين يعرفون عن غوانتنامو حول العالم؛ فالوكالات العالمية توفر للناس معلومات قليلة عن هذا المكان ومعظمها أكاذيب؛ فعلى سبيل المثال عندما أعلن عن إصابة ستة محتجزين بعد مصادمات مع الحراس، كان ذلك نتيجة تسرب تلك الأنباء باعتقادي، فالإصابات خطيرة مما اضطرهم إلى الإعلان عنها، وأنا أعني هنا كسر في العظام على الأرجح ولكننا عندما كنا هناك عانينا أيضا من إصابات خطيرة بسبب المصادمات والتعذيب لكن لم يتم الإعلان عنها؛ برأيي، العالم لا يعرف أي شيء عن غوانتنامو".
كلمة أخيرة
يجب أن لا ننسى المعتقلين الآخرين في غوانتنامو والعراق وإنني أتوقع من الصور التي رأيتها عن سجن أبو غريب أن يكون المحتجزون هناك قد عانوا أكثر منا وأدعو الله أن يطلق سراحهم قريبا كما آمل ألا يفقد الناس نظرتهم تجاه الإسلام الحقيقي رغم الحملات التي تثار ضده بسبب الأوضاع القائمة في فلسطين والعراق والتي تثيرها جهات يفترض أنها تناصر السلام والعدل وأتقدم بخالص تحياتي للجميع وأعبر عن خالص شكري وامتناني لكل من ساهم في إطلاق سراحي من السجن وأمن ببراءتي.
|