المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
"واحة الغروب" رواية متوسطة القيمة (2)

 "واحة الغروب" رواية متوسطة القيمة (2)

ولك أن تتصور ما سوف ينتهى إليه حال الأستاذ الجامعى بعد قليل من غباء وعته هو أيضا ليحقّ عليه رَأْىُ الجاحظ، الذى كان يؤكد أن كثرة معاشرة أصحاب الكتاتيب للصبيان الصغار تؤثر على عقولهم وتجعلهم حمقى مثلهم. أَنْعِمْ وأَكْرِمْ!

"حُكِيَ عن الجـاحظ أنه قال: ألفتُ كتابا في نوادر المعلمين وما هم عليه من التغفُّل، ثم رجعتُ عن ذلك وعزمت على تقطيع ذلك الكتاب، فدخلتُ يوما مدينة فوجدتُ فيها معلّمًا في هيئة حسنة فسلمتُ عليه، فرد علىّ أحسن رد ورحب بي، فجلستُ عنده وباحثته في القرآن، فإذا هو ماهر فيه، ثم فاتحته بالفقه والنحو وعلم المنقول وأشعار العرب، فإذا هو كامل الأدب. فقلت: هذا والله مما يقوي عزمي على تقطيع الكِتَاب. قال: فكنتُ أختلف إليه وأزوره. فجئتُ يوما لزيارته، فإذا بالكتاب مغلق ولم أجده. فسألت عنه، فقيل: مات له ميت فحزن عليه وجلس في بيته للعزاء. فذهبتُ إلى بيته وطرقتُ الباب فخرجتْ إليّ جارية وقالت لي: ما تريد؟ قلت: سيدك! فدخلتْ وخرجتْ ثم قالت: باسم الله (أي تفضل). فدخلت إليه، وإذا به جالس، فقلت: عظَّم الله أجرك. لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. كل نفس ذائقة الموت. فعليك بالصبر. ثم قلت له: هذا الذي تُوُفِّيَ لك، وَلَدُك؟ قال: لا. قلت: فوالدك؟ قال: لا. قلت: فأمّك؟ قال: لا. قلت: فزوجتك؟ فال: لا. فقلت: وما هو منك؟ قال: حبيبتي. فقلت في نفسي: هذه أولى المناحس. فقلت: سبحان الله. النساء كثير، وستجد غيرها. فقال: أتظن أني رأيتها؟ قلت في نفسي: هذه منحسة ثانية. ثم قلت: وكيف عشقتَ من لم تر؟ فقال: اعلم أني كنت جالسا في هذه المكان وأنا أنظر من الطاق، إذ رأيت رجلا عليه بُرْدٌ وهو يقول:

يا أم عمـرو، جزاكِ الله مكرمةً * رُدّي عليّ فؤادي أينما كانــا

 لا تأخذين فـؤادي تلعبين بـه * فكيف يلعب بالإنسان إنسانـــا؟

فقلتُ في نفسي: لولا أن أم عمرو هذه ما في الدنيــا أحسن منها ما قيل فيها هذا الشعر. فعشقتُها، فلما كان منذ يومين مَرَّ ذلك الرجل بعينه وهو يقول:

لقد ذهب الحمـــار بأم عمرو * فلا رجعت ولا رجع الحمــارُ!

فعلمتُ أنها ماتت فحزنتُ وأغلقتُ المكتب وجلستُ في الدار. فقلتُ (والكلام للجاحظ): يا هذا، إني كنتُ ألفت كتابا في نوادركم يا معشر المعلمين، وكنتُ حين صاحَبْتُك عزمتُ على تقطيعه. والآن قد قَوَّيْتَ عزمي على إبقائه، وأول ما أبدأ بك".

ولنعد الآن بعد هذا الموشَّح الذى لن يسمن ولن يغنى من جوع لأننا نحن العرب والمسلمين فى الواقع لا نريد إصلاحا ولا نطيقه: لا الشعوب ولا الحكومات، بل كل ما نحن بارعون فيه هو الطبل والرقص وشغل الثلاث ورقات رغم تتالى الكوارث فوق رؤوسنا جميعا، نعم لنعد إلى موضوعنا فنقول: وحتى حين يكون هناك داع إلى إدارة العمل الروائى حول المحور الجنسى فهل هناك موجب قاهر لا يمكن الفكاك منه يلزمنا بــ"التفعيص" فى الأمر والدخول فى التفصيلات المقيّئة؟ إن الجنس شىء جميل وشهى دون أدنى شك، اللهم إلا لدى المنكوسى الخلقة، علاوة على أنه هو السر فى امتداد الحياة، إلا أن جماله وجاذبيته إنما يكمنان أكثر ما يكمنان فى بقائه حيث هو من وراء ستار، وإلا باخت المسألة وعَرِىَ عما فيه من فتنة واستحال شيئا مقززا. وعلى كل فالإسلام يأمر بالاستتار فى هذه المسائل، ويدين تهييج الشهوات وإضرام نيرانها لأن هذا أمر مخيف العاقبة كما هو معروف، إذ يعين على إشاعة الفاحشة ويشجع الناس على مواقعة الزنا. سيقال: كأنك إذن لا ترى أنه ينبغى الفصل بين الأدب والأخلاق؟ وسأجيب على هؤلاء وأولئك بأننى فعلا لا أفصل بين الأمرين ولا يمكن أن أفكر فى ذلك. لماذا؟ ببساطة: لأن الحياة لا تفصل بينهما، بل لا يوجد شىء فى الدنيا منفصلا عن غيره، فالاقتصاد مثلا لا ينفصل عن الأوضاع الاجتماعية ولا عن الأوضاع الصحية ولا عن الأوضاع الثقافية ولا عن الأوضاع الخلقية ولا عن الأوضاع الدينية... إلخ، والحياة كالأوانى المستطرقة كل ميدان من ميادينها يتصل بالميادين الأخرى ويأخذ منها ويعطيها ويتأثر بها ويؤثر فيها.

وليس من العقل ولا من المعقول أن تؤمن أمة من الأمم بمجموعة من القيم الخلقية وترى أنه لا بد من التمسك بها، ثم تترك فى ذات الوقت من يعمل على تجريف تلك القيم وتدميرها بحجة أن الأدب يعلو ولا يُعْلَى عليه، وكأن الأدب إله مطلق المشيئة لا يُسْأَل لا هو ولا من يبدعونه عما يفعلون. إن وضعا كهذا لهو انفصام فى الشخصية، ولا يقبل الانفصام فى الشخصية شخصٌ سوىّ. والحقيقة أن من يقولون بأنه لا ينبغى للأدب أن يخضع لقيم الخلق والدين إنما يريدونه أن يخضع لمجموعة أخرى من القيم لا تؤمن بها أمتهم وتراها خطرة على حاضرها ومستقبلها وشخصيتها، إلا أنهم لا يريدون أن يصرحوا بذلك فتراهم يلجأون إلى أسلوب اللف والدروان دون أن يكشفوا عما فى ضمائرهم. ثم إن الأدب ليس شكلا فنيا فقط حتى يقال إن هذا هو الشىء الوحيد المهم فيه، بل هناك المضمون أيضا، وهذا المضمون هو الأساس فى الواقع، والفن موجود فى خدمته بمعنًى من المعانى، إذ بالفن البارع نبرز ما نريد بثه بين القراء من آراء ومفاهيم وقيم. ولا يقول عاقل بإهمال الأصل من أجل الفرع رغم الأهمية الكبيرة لذلك الفرع وما يزود به القارئ من متعة عظيمة. وإذا شاء إنسان أن يرى أنه لا أصل ولا فرع هنا وأن الطرفين إنما هما وجهان لعملة واحدة، ومن ثم فكلاهما مكافئ للآخر، فليكن له ما يشاء، وعلينا فى هذه الحالة أن نقيم توازنا بين الأمرين بحيث لا نسمح للقيمة الأدبية أن تطغى على القيمة الخلقية وتعمل على حذفها، ومن ناحية أخرى لا نسمح للقيمة الخلقية أن تطغى على القيمة الأدبية الجمالية وتسعى إلى محوها فيتحول النص الأدبى إلى مواعظ فِجَّة تنفّر أكثر مما تجذب وتفتن.

هل معنى هذا أن الأمور سوف تكون "عال العال" بهذه الطريقة؟ لا بالطبع، إنما هى احتياطات تُتَّخَذ لتقليل الخسائر بقدر الإمكان، أما الأمان الكامل فلا وجود له، إذ الطبيعة البشرية طبيعة ناقصة وخطاءة. لكن هذا شىء، واختيار السبيل المعوج منذ البداية شىء آخر. إن الوظيفة التى يؤدينا مفهوم الكمال فى حياتنا هى دفعنا دائما إلى بذل أقصى الجهد المتاح، أما الوصول إلى الكمال ذاته فهذا أمر خارج القدرة، بل خارج التصور أيضا. وواجبنا هو إحراز أكبر قدر من الإيجابيات، وتجنب أكبر قدر من السلبيات.

ولسوف أسوق هنا بعض الأمثلة لتوضيح المسألة: فأما أولها فهو الأديب البريطانى أوسكار وايلد، الذى كان مصابا بداء الأُبْنَة والذى تألمتُ أشد الألم وأنا أقرأ فى ثمانينات القرن البائد الكتاب الذى ألفه عنه ابنه فيفيان هولند (Vyvyan Holland) بعنوان " Son of Oscar Wilde " وسرد فيه ما جلبه سلوك أبيه عليه وعلى أخيه وأمه من مشاكلَ ومآسٍ، وإن لم يكن فى كلامه عن أبيه مع ذلك ما يدل على شعوره بأى حنق عليه، بل كان متعاطفا معه حزينا من أجله. المهم أننى قرأت فى إحدى رسائل وايلد لصديق من أصدقائه نَعْتَه لمن ينكرون عليه هذا الشذوذ بأنهم "philistine"، أى ذوو فكر رجعى وذوق عامى. الله أكبر! هكذا إذن؟ فمثل وايلد حين ينادى بفصل الأدب عن الأخلاق (art for art's sake) فهو فى الواقع لا يقصد ذلك بالضبط، بل يقصد فصله عن الأخلاق التى تدين مثل ذلك الشذوذ، وإلا فليس ثم شخص يعيش دون أن تكون له أخلاق، وقد تكون تلك الأخلاق هى أخلاق الدنس والفحش والشذوذ كما هو الأمر فى حالته. وإذا كان الشىء بالشىء يذكر فقد كان وايلد من أهل العصر الفكتورى، وكان يسخر من قيم ذلك العصر ومواضعاته فى مسرحياته.

وأما المثال الثانى فمن فرنسا، وهو أندريه جِيد، الذى كان يدافع فى كتاباته عن الشذوذ الجنسى والذى كان له عشيق (اسمه مارك أَلِّيجْرِيه: Marc Allégret) أخذه معه فى جولة طويلة إلى كل من بريطانيا وإفريقيا مما كان من ثمرته أن أحرقت زوجة العشيق الهارب كل خطاباته. وقد كان جِيد فى فترة من فترات حياته شيوعيا أو متعاطفا أشد التعاطف مع الشيوعية والشيوعيين، إلى أن دعاه السوفييت إلى جولة فى ربوع بلادهم أثمرت انقلابه على مذهبهم، إذ اتضحت له الحقيقة المرة وظهر له أن أمر الشيوعية إنما يقوم على الاستبداد وخنق الحريات والتنكيل بكل من يبدى رأيا مخالفا لما يقرره الحزب وقادته، فضلا عن عجزها عن توفير المطالب الأساسية للبشر بالصورة المرجوة. وأذكر أن الدكتور عبد الحليم محمود، حين ثارت بينه وبين الشيوعيين فى سبعينات القرن المنصرم معركة فكرية حول الشيوعية، التى كتب يهاجمها بوصفه عالما مسلما من مهمته محاربة الإلحاد وفضحه، قد استشهد، ضمن ما استشهد، بما كتبه أندريه جِيد حول الأوهام المتعلقة ذلك المذهب والتى زالت غشاوتها من على عينيه بعد زيارته للاتحاد السوفييتى، فما كان من الشيوعيين إلا أن لوحوا فى وجهه بشذوذ جِيد وكأنهم لم يكونوا يعرفون ذلك عن جِيد من قبل ويباركونه حين كان ينافح عن الشيوعية، أو كأن الشذوذ الجنسى يمثل لهم عارا وخزيا وليس قيمة من قيمهم التى يُعْلُون من شأنها، ولكنهم يخادعون مَنْ حولهم من المسلمين ويظهرون تأففهم منها، إلى أن فضحهم منذ فترة ليست بالطويلة واحد منهم فقال إنهم يمارسون فيما بينهم ذلك النوع (القذر الوسخ مثلهم) من الشذوذ، لكنهم يتصنعون التقزز منه على سبيل التقية والنفاق. وليقرأ من شاء كتاب "بيضة النعامة"!

وثم مثال ثالث يتعلق بكُوَيْتِب شيوعى مصرى (يصوره الشيوعيون من أمثاله رغم ذلك كاتبا ذا شأن) تعرَّف فى شبابه إلى بنتٍ أُمِّيّة صائعة ضائعة من أسرة متضعضعة أبوها سكير متلاف التمّ عليها فى حوارى السيدة، ويبدو أنه اضْطُرّ إلى الزواج منها لما يقع فى مثل تلك الظروف من مثليهما. ثم انضمت الصائعة الضائعة معه إلى خلايا الشيوعيين الإرهابيين (الكارهين دين الطهر والتوحيد والممالئين ضده كل ملة ومذهب ودين: بدءًا من أديان تعبد البشر، إلى أخرى تعبد البقر، إلى ثالثة تعبد الفَرْج والحجَر، إلى رابعة لا يعتنقها إلا أشباههم من الأوباش والغجَر)، وهى خلايا يزعمون كذبًا ومَيْنًا وزورًا وبهتانًا أنها لمكافحة الطبقية والظلم الاجتماعى. ثم دخل سيادته السجن وخرج منه وهو يشك فى سلوك ربة الشرف والصيانة، وانتهى الأمر بهما إلى الانفصال مع بقائهما معا فى ذات الشقة. وبعدما مات نشرت هى كتابا تصور فيه الحب العظيم الذى كان يربط بينهما وكأنهما "المأسوف على شبابهما" روميو وجولييت. وكنت أكلم صديقى ع. ن. المذيع الشهير فى ذلك الأمر ذات مرة وجَرَّنا الكلام إلى ما سمعتُ تلك القارحة تقوله فى إحدى القنوات الفضائيات على سبيل الزراية على الرجال من أنهم لا يهمهم من المرأة إلا "نصفها الأسفل" (هكذا بنص عبارتها المهذبة التى تلفظتْ بها وهى تشير بيدها إلى أسفل جسدها على سبيل الشرح والتوضيح حتى لا يخطئ أحد من المشاهدين فهم مرادها)، فتساءلتُ قائلا: ترى هل يمكن أن تكون مثل تلك القارحة من الزهد فى الرجال إلى هذا الحد؟ فما أسرع ما جاءنى الرد من صديقى المذيع بأن زوجها الكاتب المذكور كان يأتى إليه بين الحين والحين فيأخذه من ذراعه ويغادر به مبنى الإذاعة وهو يشكو مر الشكوى من تصرفات "القــ... بنت القــ..." التى لا تحترم ما كان بينهما من زوجية وذرية، إذ تأتى بعشاقها وتضاجعهم على سرير الزوجية أثناء وجوده فى الشقة دون أى شعور بالخجل. وقد كان تعليقى: ولم هذا الاستغراب من جانبه، وهى غَرْس يده وتربيته؟ ثم ما الذى يؤلم شيوعيا مثله فى هذا التصرف؟ أليست هذه هى الأخلاق التى يبشرون بها؟ فمن الطبيعى إذن أن نسمع مثل ذينك الشيوعيين الحقيرين يصرخان نادبَيْن الأدب والفن حسرةً على محاولة الرجعيين المتخلفين الربط بين الآداب والأخلاق!

وهناك ذلك الشيوعى النصف مصرى والنصف أوربى والذى لم تكن أمه التى التقطها أبوه من إحدى العواصم الأوربية مسلمة فى الأصل، ثم أعلنت إسلامها، فظل ابنها يشكك فى إخلاصها لدينها الجديد ويبدى من صنوف الكراهية لدين محمد والكذب بشأنه ما يدل على خسة متأصلة فيه، والذى يتفاخر بما صنعه معه خادمهم فى طفولته ويصوره بالصوت والصورة والتفصيل الممل ويخبرنا بالدقة المتناهية أين وضع الخادم عضوه فى جسده وماذا شعر هو أثناء ذلك، كل هذا دون أن تفوته فائتة، فهو ينصّ مثلا على لزوجة المنىّ ونزول سرواله وهو ماشٍ فى ردهة بيتهم بعدما غسل نفسه وخرج من الحمام  وظهرت استه. لعنة الله على كل مخنث دنس يسلم زمامه لامرأة مُهَلْوَسَة مُهَسْتَرَة فاقدة العقل والدين والذوق تنادى بنسبة الطفل إلى ...! هل لأنها تعرف أن أطفالها...؟ ولعنة الله على من يكره صوت الأذان ويكذب فيزعم أنه صوت إرهابى، ولا أدرى كيف يكون الأذان إرهابيا. أترى المؤذنين فى بلدتهم إذا دَعَوْا الناس إلى الصلاة صاحوا فى مكبر الصوت: هيا إلى المسجد يا جِزَم، تعالوا إلى الصلاة يا أوغاد؟ أم ماذا؟ أم لعله يريد أن يكون النداء إلى الصلاة على طريقة ذلك المأبون السابق الذى نوى أن يتوب ويُنِيب فجعل يتردد على الجوامع والزوايا للصلاة مع المصلين، ثم ثَنَّى ففكر فى أن يؤذن أيضا للصلاة حتى يأخذ ثوابا أكبر. إلا أنه حين صعد المئذنة نسى كيف يؤذن المؤذنون، فما كان منه إلا أن أسرع إلى صناجاته القديمة فى جيبه وأخرجها ولبسها فى أصابعه، "وهات يا دقّ!" وهو يقول: "يا حبايبْ ربِّنا! تَعَا صلُّوا عندِنا!"؟ وليس المقصود عند هؤلاء وأشباههم الفصل بين الأدب والأخلاق كل الأخلاق، بل الفصل التام (أو الموت الزؤام) بين الأدب وبين الخلق الكريم فحسب! أما أخلاق "الصياعة والضياعة" فمرحبا بها وأهلا وسهلا! وهذه هى الحقيقة العارية دون أية تزاويق!

على كل حال فهناك غرائز أخرى غير الجنس لها ذات الأهمية أو أهمية متقاربة، ومع هذا لا أحد من هؤلاء الذين يزعجوننا بدفاعهم عن الإكثار من وصف عملية الجماع واللَّغْوَسَة فيها فكَّر يوما فى اتخاذها موضوعا لقصصه، كتناول الطعام والإخراج مثلا، واللذة فيهما ليست باللذة الصغيرة. إن كل ما أذكره فى هذا المجال لا يعدو منظرا فى بعض الأفلام يركز المصور آلته على فم بعض الطاعمين فيكون الأمر مقززا، وهو فلم "خرج ولم يعد" حين تلبثت الكاميرا بعض الوقت عند حشر إحدى الممثلات فمها بما لذ وطاب من الطعام ومضغها إياه وهى تتكلم أثناء ذلك مما أثار تقززى، أو ما قرأته لفتحى غانم فى رواية "الجبل" عن تحلق الكبار من رجال قرية القرنة بالأقصر فى دائرة بالخلاء عند قضاء حاجتهم وتبادلهم الرأى فى قضاياهم ومشاكلهم أثناء ذلك، ولكن دون أن يَفْرُط من الكاتب ما يستفز الذوق السليم، أو ما كتبه جيمس جويس عن صديقة لزميل له كانت تتبول فى قصرية بالغرفة التى كانا يسكنانها، فخرج منها ريح له صوت، فما كان منه إلا أن أطلق على ذلك: "موسيقى الغرفة"، أو ما كتبه يحيى حقى عن المعاناة التى كان يقاسيها أحد الكلاب وهو يخرج برازه الجاف بتوتر شديد وصعوبة بالغة وكأن أحدهم يشد البراز الجاف من استه بكماشة، أو كما قال.

ومن النقاط التى أريد أن أتناولها كذلك فى الرواية لما له من صلة بما نحن فيه تلك الطريقة التى لجأ إليها المؤلف لسرد أحداث روايته. وهى طريقة لست أذكر أننى قابلتها لدى أحد من الروائيين من قبل، وإن كنت لا أستطيع الزعم بأنه ابن بَجْدَتها، بل كل ما هنالك أننى شخصيا لا أعرف أحدا صنع صنيعه هذا قبلا. وتتلخص هذه الطريقة فى أنه أسند سرد الرواية لعدة أشخاص بالتناوب: فمحمود يسرد أحداث الفصل الأول، وتتلوه كاثرين فتسرد أحداث الفصل الثانى، ليأتى الشيخ يحيى حاكيا أحداث الفصل الثالث، ثم يعود السرد إلى محمود فى الفصل الرابع...، وإن لم تكن هناك خطة واضحة لهذا التناوب، مع التنبيه إلى أن لمحمود وكاثرين نصيب الأسد بين الساردين. بل لقد أسند المؤلف السرد ذات مرة إلى الإسكندر الأكبر على مدى فصل كامل رغم أنه، بطبيعة الحال، ليس من الشخصيات الفاعلة، بل ليس من الشخصيات الحية فى الرواية، إذ الرواية تدور كما نعرف فى أواخر القرن التاسع عشر، والإسكندر قد مات وشبع موتا منذ دهور. أما كيف تم هذا فهو ما سوف نعرف الجواب عليه بعد قليل.

وقد سمى بعضهم هذه الطريقة بالسرد من خلال وجهة نظر الــ"third person limited"، ولا أدرى السبب فى تسميته إياها بهذا الاسم إلا أن تكون هى الحذلقة، التى كثيرا ما قادت أصحابها إلى المعاطب. ذلك أن الطريقة المتبعة فى السرد هنا ليست هى ما زعمه ذلك المتحذلق. وكى يعرف القارئ خطأ تلك التسمية أسوق له تعريف هذا المصطلح كما وجدته فى مادة "third person limited point of view" بموقع "aout.com"، ومادة "Narrative mode" بموسوعة الـ"ويكيبيديا: Wikipedia"، ومادة "third person limited point of view" بموقع "aout.com"، ومادة "third person limited narration or limited omniscient " بموقع www.ask.com، ومؤداه أنه طريقة لسرد أحداث رواية من الروايات يطَّلع فيها الراوى على أفكار شخصية واحدة فقط من شخصيات العمل القصصى ومشاعرها، بخلاف باقى الشخصيات، التى يرصدها من الظاهر فحسب. فهذه الطريقة إذن أوسع حرية من طريقة الراوى الذى يستخدم ضمير المتكلم، إلا أنها أضيق نطاقا من طريقة الرواى العليم بكل شىء.

وهذه ثلاثة من التعريفات المشار إليها فى نصها الإنجليزى:

“Third person limited point of view is a method of storytelling in which the narrator knows only the thoughts and feelings of a single character, while other characters are presented externally. Third person grants a writer more freedom than first person, but less than third person omniscient”, An omniscient narrator has omniscient knowledge of time, people, places and events; a limited narrator, in contrast, may know absolutely everything about a single character and every piece of knowledge in that character's mind, but it is "limited" to that character--that is, it cannot describe things unknown to the focal character”, “Even when an author chooses to tell a narrative through omniscient narration, s/he will sometimes (or even for the entire tale) limit the perspective of the narrative to that of a single character, choosing for example only to narrate the inner thoughts of that one character. The narrative is still told in third-person (unlike first-person narration); however, it is clear that it is, nonetheless, being told through the eyes of a single character. A famous example of this form of narration is James Joyce's "The Dead" (in Dubliners). A narrative can also shift among various third-person-limited narrations”.

وكانت الرواية العربية، ومن قبلها الرواية الغربية، قد عرفت سرد الأحداث من خلال عدة شخصيات كل منها تحكيها كاملة من وجهة نظرها، فنسمع من س مثلا كيف وقعت الأحداث هنا وههنا، وتصرفت فى الموقف الفلانى أو العلانى هذه الشخصية أو تلك. حتى إذا فرغت الشخصية الساردة من حكاية الرواية استأنفت شخصية أخرى سرد كل شىء ووصف كل مكان وكل شخص من جديد. ثم تتلوها شخصية ثالثة، ثم شخصية رابعة، وخامسة إن أراد الكاتب ذلك، لنحصل بهذه الطريقة على عدة روايات للقصة الواحدة، باعتبار أن كل شخصية تعطينا رأيها هى وحدها، الذى يتفق مع رأى غيرها من الشخصيات فى بعض الأشياء ويختلف معها فى بعض الأشياء الأخرى. وبهذا يكون عندنا تصورات متعددة لأحداث الرواية وشخصياتها، وهو ما يضمن أن يجىء فهممنا لها أفضل، ورؤيتنا لها أوضح وأكثر غنى وعمقا. ذلك أن السارد العليم بكل شىء إنما يقدم لنا أحداث الرواية وأبطالها من خلال عيون لا يغيب عنها شىء، إلا أنها إنما تقدم ذلك على نحو قاطع ونهائى لا يقبل نقضا ولا إبراما، أما السارد المتحيز، وهو السارد الذى يستعمل ضمير المتكلم، فهو يعطينا ما يعطيناه من خلال عيون محدودة وعلم ضيق، إذ هو لا يعرف من الرواية إلا ما كان موجودا أثناء وقوعه. ولهذا فكلما تعدد الرواة الذين من هذا النوع كان ذلك أقمن أن يجلِّىَ الأمور أحسن.

ومن هذا الضرب من الروايات فى الأدب العربى الحديث "ميرامار" لنجيب محفوظ"، و"الرجل الذى فقد ظله" لفتحى غانم، و"الظلال على الجانب الآخر" لمحمود دياب. ومعروف أن السارد العليم بكل شىء هو سارد بارد لا يبالى بما يقع، بل يؤديه كما هو دون أن يكون له موقف أو عاطفة أو رأى. إنه مجرد واصف لا يُسْمَح له بالتدخل فيما يرويه. إنه يروى وكفى، بخلاف السارد المتحيز، الذى يكون منغمسا فى الرواية يتأثر بما يشاهد من وقائع وبما يسمع ويرى من شخصيات، كما يؤثر فى هذا كله بدوره، ويكون سعيدا أو متألما، راضيا أو غاضبا... إلخ. وما صنعه الأستاذ المؤلف يجمع بين الـحُسْنَيَات الثلاث على ما بدا لى للوهلة الأولى، إذ هو يرينا أحداث الرواية وشخصياتها من عدة زوايا، فكأننا قد رأيناها من كل أوضاعها، أىْ رؤيةً تقارب رؤية الراوى العليم بكل شىء وكل شخص، إلا أنه لا يعيد رواية القصة كلها من جديد فى كل مرة، بل يخصص كل شخص من الرواة لسرد بعض الفصول بحيث يأخذ الواحد منهم الدور من سابقه فيكمل ما قال، بادئا من حيث انتهى، بدلا من أن يعيد كل ما قيل كَرّةً أخرى.

إلا أن معاودة النظر فى هذا الأسلوب الفنى يرينا عنصرا لا نتنبه له فى البداية، ولا بد من أخذه فى الحسبان، وعندئذ يتغير الرأى فى أسلوب السرد. ذلك أن سرد الرواية على ذلك النحو يقتضى أن يكون هناك تنسيق بين الرواة، وإلا فلم يحكى شخص من الأشخاص فصلا من الفصول ثم يسكت ليتقدم شخص آخر فيلتقط خيط السرد من حيث تركه؟ لا يمكن القول إنهم اتفقوا على ذلك من أنفسهم، إذ كان كل منهم حريصا، فى بعض الأحيان وفى بعض الشؤون فى أقل تقدير، على ألا يعرف كل طرف من الأطراف الأخرى ما يفكر فيه لمناقضته مصلحة تلك الأطراف أو لتعارضه مع ما تريد، بخلاف ما كان عليه الحال مثلا بين رواة "حكايات كانتربرى" (The Canterbury Tales) لجيفرى تشوسر (Geoffrey Chaucer)، إذ كانوا مجموعة من المسافرين زهاء ثلاثين ميممين وجوههم شطر كاتدرائية كانتربرى لزيارة قبر توماس بيكيت، وكانت العلاقة بينهم ودودة دافئة لا يتربص أحد منهم بالآخر، فاتفقوا على أن يحكى كل منهم أربع حكايات قطعا للوقت على أن يحصل صاحب أحسن حكاية على مكافأة.

ترى هل يمكن الزعم بأنه كان من الممكن قيام اتفاق بين محمود وكاثرين، وهما أقرب شخصيتين رَوَتا الأحداث، على أن يقول كل منهما ما قاله فى حق الآخر من أنه أصبح يمله ويضيق به ذرعا أو أنه قد شعر بكذا وكذا لدن مجامعته مثلا، مما هو كفيل بجرح كرامته وإغضابه، وربما دفعه أيضا إلى الانفصال عنه؟ هل يصح القول بأن الكاتب هو الذى رتب هذا بينهم؟ إن هذا أسوأ وأضل سبيلا، لأنه بدلا من اطّلاعهم هم فقط على تلك الأسرار التى ألمعنا إليها سوف يشاركهم الكاتب فى ذلك. وفوق هذا فمن المعروف أن الكاتب عليه أن يخفى نفسه تماما فى مثل هذه الحالة فلا نحس بوجوده، فكيف يتدخل إذن فى أمر الشخصيات ويدبر لهم أمورهم؟

ثم عندنا الإسكندر، الذى تحدّث بدوره وروى هو أيضا بعض الأشياء كسائر الشخصيات. من نفسه، ولم لا؟ ولكن! نعم ولكن هناك أشياء لا بد من تسجيلها على كلام الإسكندر: أولا كيف تكلم الإسكندر، وقد مات وشبع موتا منذ دهور كما قلنا؟ أقرب شىء إلى العقل أنه لم يتكلم على سبيل الحقيقة، بل ظهر لكاثرين فى المنام. هذا ما فهمته فى البداية، إذ لا يمكن أن يكون المؤلف قد فكر فى إعادته إلى الدنيا على أى وضع من الأوضاع لأن الموتى لا يعودون إلى الحياة قبل يوم النشور. وأما أن الشخصية التى ظهر لها فى المنام هى كاثرين فذلك ظاهر من حديثه إلَى مَنْ أقلقه فى مضجعه البرزخى (حسب وصفه له تقريبا) بحثا عن حقيقة أمره وموضع قبره. ومن يكون ذلك الشخص سوى كاثرين، التى إنما جاءت إلى سيوة برفقة زوجها، وفى نيتها البحث عن قبر القائد الإغريقى هنالك؟ ثم اتضح من كلام كاثرين بعد هذا أنه فعلا حلم من الأحلام.

ولكن، وهذه هى الملاحظة الثانية، كيف يمكن أن تكون الأحلام بهذا التنظيم وتتالى الأفكار وتماسكها بحيث لا يتخللها أية ثغرات، فضلا عن ترتيبها هذا الترتيب الشديد الإحكام؟ إن المنامات فى مثل تلك الظروف تكون أقرب إلى الهلوسات منها إلى الترابط والوثاقة. وثالثا هناك تناقضات غير مفهومة فى كلام الإسكندر: منها مثلا قوله فى البداية إنه لا يستطيع حيث هو أن يرى أحدا من أهل الدنيا أو يحس شيئا من أمورها، ومع هذا نراه يشعر بكاثرين ويقول لها إنها قد أتت تبحث عن بعض الأمور المتعلقة به. صحيح أنه فى البداية يقول إنه لا يعرف نوع الشخص الذى أتى يقلقه فى رقدته، إلا أنه سرعان ما يضيف أنه يحس بأنها امرأة لا رجل لأنها ملحاح كالنساء. إذن فهو يشعر ويفهم ويفكر ويستنتج، إلى جانب مقدرته على استرجاع أحداث دنياه بجميع تفصيلاتها المهمة واستطاعته تحليل شخصيته الدنيوية ومعرفة دوافعها التى كانت تحركها، وهذا يناقض ما سبق أن قاله من أنه لا صلة بينه فى البرزخ وبين الدنيا التى تركها خلف ظهره منذ أحقاب. فكيف يستوى هذا وذاك؟ أما الملاحظة الرابعة فمؤداها أنه، فى الوقت الذى يتشكك فى كل ما عرفه واعتقده فى الدنيا، يردد ما كانت أمه تقوله له من أنه نصف إله ونصف بشر، وأن الإله الثعبان قد لدغها (حلوة "لدغها" هذه أيضا!) فحملت به بعد أن تكور فوق بطنها الأبيض ثم تخللها، فضلا عن أن حاكما وقائدا عالميا كالإسكندر لا يمكن أن يكون هذا الكلام المضحك هو سبيله نحو تعريف نفسه إلى كاثرين، وبخاصة بعدما انجابت عن عينيه غشاوات الدنيا التى كانت توهمه أنه فعلا ابن سلالة الآلهة، إن كان حقا قد آمن من قلبه بذلك يوما. لقد شك مثلا فى ألوهية آمون وفى صحة الوحى الذى سمعه الكاهن فى معبد سيوة والذى على أساسه تُوِّج إلها، فكيف ظل يردد هذاالسخف عن نسبه الإلهى، وبخاصة أنه يعرّى سوأة أمه فى تلك الأثناء؟ وقبل كل هذا لقد كان المفروض أن ينشغل الإسكندر عن كل هذا بالعماء البرزخى الذى هو فيه، هذا العماء الذى شبه نفسه خلاله بالسمكة العمياء التى تسبح فى محيطٍ لانهائىٍّ ماؤه قاتم السواد، والذى يغلب على خاطره أنه مملكة هاديس حيث تعيش الأرواح الشريرة. وخامسا كيف استطاعت كاثرين بعدما استيقظت أن تتذكر كل هذا على كثرته وتشابكه وبنفس ترتيبه وإحكامه؟ بل كيف أخذت الأمر مأخذ الجد، وكأن ما يقوله الإسكندر فى المنام شىء يعوَّل عليه، فسجلته لنا بكل تفاصيله؟ وهل هناك حلم يستغرق كل هذا الوقت بحيث يحتاج تسجيله إلى عشرين صفحة (ص105- 124)؟ وإلا فمن الذى حكى لنا هذا المنام؟ وإذا كانت هى التى سجلته، وليس هناك إلا هذا الافتراض، فكيف فات المؤلف أن يوضح ذلك وترك الأمر غفلا من ذكرها، وكأنها لا علاقة لها به؟ كما يرى القارئ فالأمر قلق مزعج.

ومع ذلك لا ينبغى أن نمر دون أن نقول كلمة عن النفحات الشاعرية التى تسطع من بعض المواضع فى هذا الفصل والتى تكتسب قيمتها من استقلالها عن الرواية لا من التحامها بها. إنها ممتعة فى ذاتها لا بوصفها جزءا من العمل. ومثل هذا الأمر يقع كثيرا فى الأعمال القصصية والمسرحية، كما هو الحال فى بعض الأشعار التى تتضمنها مسرحية "مجنون ليلى" لأحمد شوقى، وكما هو الحال أيضا فى بعض الصفحات المبكية التى أبدعتها ريشة طه حسين فى قصة "المعتزلة" (من مجموعة "المعذبون فى الأرض")، وتزلزلنى فى كل مرة أقرأ بعض فقراتها على طلابى الذين يدرسون معى المجموعة القصصية المذكورة، مع الفارق لصالح الدكتور طه بطبيعة الحال. إنها من الصفحات التى حلق فيها قلم الدكتور طه عاليا عاليا عاليا رغم ما أرى من ضعفه الشديد فى الفن القصصى. إلا أن قيمة تلك الصفحات تكمن فيها هى ذاتها باعتبارها صورة قلمية لا فى كونها جزءا من قصة تلك المرأة.

وهذه هى الأبيات التى اقتُطِعَتْ من مسرحية أمير الشعراء ولحنها وغناها، بإبداع ليس بعده مندوحة لسموقٍ آخرَ، المطربُ محمد عبد الوهاب بعنوان "جبل التوباد"، أنقلها هنا للقارئ وأنا أصغى الآن إلى تسجيل لها نزّلتُه لتوى من المشباك كى أكتب عنها كتابة نابعة من أعماق قلبى فأشعر بها روعةً تتدفق من الكوثر العلوى وتطير بى إلى فوق بعيدا بعيدا عن هذا الإزعاج الذى يجثم بكَلْكَلِه السمج على كل جوانب حياتنا فى مصر:

جبلَ التَّوْبَاد، حيّاك الـحَيَا  *  وسقى الله صبانا ورَعَى!

فيك داعبْنا الهوى في مهده *  ورَضَعْناه فكنتَ المرضِعا

وعلى سفحكَ عشنا زمنا * ورعينا غنم الأهل معا

وحَدَوْنا الشمس فى مغربها * وبَكَرْنا فسبقْنا المطلعا

هذه الربوة كانت ملعبا * لشبابَيْنا وكانت مرتعا

كم بنينا من حصاها أَرْبُعًا * وانثنينا فمحونا الأَرْبُعا!

وخططنا فى نَقَا الرمل فلم * تحفظ الريحُ ولا الرمل وَعَى

لم تزل ليلى بعينِى طفلةً * لم تزدْ عن أمسِ إلا إصبعا

ما لأحجارك صُمًّا كلما * هاج بِى الشوقُ أَبَتْ أن تسمعا؟

 كلما جئتُك راجَعْتُ الصِّبا* فأَبَتْ أيامه أن ترجعا

قد يهون العمر إلا ساعةً  *  وتهون الأرض إلا موضعا!

أما الصفحات التى خصصها الدكتور طه لأم تمام فى قصة "المعتزلة" فتحكى قصة أسرة قروية بائسة تتكون من أم عجوز قبيحة شديدة القِصَر متلاشية الصوت، قد فقدت بعض أسنانها وانحنى أعلاها على أسفلها على نحو بشع جعلها أقرب ما تكون إلى العجماوات، وإذا مشت خُيِّل للناظر أنها كرة تتدحرج على الأرض، تجمع روث البهائم من الطرقات وتصنع منها أقراصا تجففها وتبيعها وقودا تستعين بثمنه على ضروريات الحياة، وولدين يشتغلان فى بناء الأكواخ يوما وينقطعان أياما، وبنتٍ فى نحو الثالثة عشرة يتصارع فى وجهها وملامحها القبح والجمال ولا تشتغل بشىء. وكانت هذه الأسرة رغم فقرها المدقع ورثاثة حالها تعتصم بكرامتها فلا تمد يدها إلى أحد ولا تقبل معونة من أحد مما أكسبها احترام الناس وكراهيتهم معا. ولنترك المؤلف نفسه يحكى لنا قصتها: "كانت أم تمام قصيرة مسرفة فى القِصَر، منحنية مسرفة فى الانحناء، همّت قامتها أن ترتفع فى الجو فلم تستطع أن تستقيم، وإنما انعطف أعلاها على أسفلها كأنها خُلِقَتْ لتلتصق بالأرض التصاقا. وكانت من أجل ذلك أشبه بذوات الأربع منها بالإنسان ذى القامة المعتدلة والقَدّ المستقيم، وكانت من أجل هذا إذا مشت خَيَّلَتْ إليك أنها تتدحرج كما تتدحرج الكرة. وكان مشيها بطيئا رفيقا، فكان يشبه حركة الكرة عندما تخفّ عنها قوة الدفع فتضطرب مبطئةً تسعى إلى السكون. وكان صوت أم تمام نحيلا ضئيلا، وكانت قد فقدت بعض أسنانها، فكان صوتها النحيل الضئيل يستحيل إذا تكلمت إلى هواء خافت لا يكاد السامع يتميّز حروفَه إلا بمشقة وجهد...

ولم تحاول أم تمام قَطّ ولم يحاول أحد من بنيها قَطّ الاتصال بالناس إلا حين كانت الضرورة المُلِحّة تضطرهم إلى ذلك اضطرارا، فقد كانوا يحتاجون أحيانا إلى أن يشتروا الطعام ليقيموا أَوَدهم. وكانت أم تمام تحتاج أحيانا إلى أن تبيع، فقد كان يعرض لها فى بعض الوقت أن تخرج إلى الطريق الزراعية العامة، وأن تلتقط من هذه الطريق رَوْث البقر والجاموس تقطعه قِطَعًا متقاربة وتجففه على سقف بيتها وتتخذ منه وقودا لتطبخ إن أُتيح لها الطبخ، وتبيع فَضْله بين حين وحين لبعض نساء القرية بالقروش أو بعض القروش توسِّع بذلك على نفسها وبنيها. ولم يخطر، فيما أعلم، لأحد من المُوسِرين ولأهل الدارين اللتين كانتا تكتنفان بيتها أن يَبَرّوا هذه الأسرة بقليل أو كثير من الخير، لا لأن الموسرين كانوا يبخلون بالمعونة على الذين يحتاجون إلى المعونة، بل لأنهم فى أكثر الظن قد همّوا أن يَبَرّوا هؤلاء الناس فردّوا أيديهم فى شىء من التعفف الذى لا يُحَبّ من الفقراء، فكفَّ الموسرون عن محاولة الرفق بهم والتوسيع عليهم فى الرزق... وكذلك نظر أهل القرية إلى هذه الأسرة على أنها أسرة ثقيلة سمجة ليست منهم وليسوا منها فى كل شىء. وكان أهل القرية مع ذلك يتحدثون فيما بينهم عن هؤلاء الناس فى إشفاق كثير لا يخلو من سخرية، وربما يقسو، إن أمكن أن يكون الإشفاق قاسيا، فيشتمل على شىء من شماتة. كانوا يَرَوْنَ هذين الغلامين يحتملان أشد العناء وأشق المشقة ليكسبا القروش القليلة فى بعض الأيام، ويتساءلون كيف تعيش هذه الأسرة من هذا الكسب القليل. وكانوا يَرَوْنَ هذين الغلامين وقد بَلِيَتْ ثيابهما فكشفت عن مواضع من الجسم من حقها أن تُسْتَر، ورُقِّعَتْ حتى ملَّت الترقيع. وكانوا يَرَوْنَ سعدى فى أسمالها البالية فيرحمون هذا الصِّبا النَّضْر فى هذا الغشاء المبُْتَذَل ويقول بعضهم لبعض: لولا الكبرياء لأصاب هؤلاء الناسُ عيشا أرقَّ رِقّةً وأرفه لينا...

ويُلِمّ الوباء بالقرية فيما يلم به من المدن والقرى، ويفجع الناس فى أنفسهم وأبنائهم وذوى قرابتهم ومحبتهم، وتكون أم تمام فى طليعة الذين يفجعهم الوباء، فهو يختطف ابنيها فى أقل من خمسة أيام، وهى مع ذلك هادئة ساكنة مطرقة بجسمها كله إلى الأرض، لا يرتفع لها صوت بالإعوال، ولا ينخفض لها صوت بالنحيب، وإنما هى مقيمة فى بيتها، وقد آوت إليها ابنتها كأنما تنتظران أن يُلِمّ الوباء بهما ويختطفهما كما اختطف الغلامين. ولكن الوباء قد أرضى حاجته من هذا البيت فهو لا يعود إليه، فإذا طال انتظار أم تمام له فى غير طائل نظر الناس فإذا أطوارها قد تغيرت من جميع جوانبها، وإذا حياتها قد بُدِّلَت تبديلا، فهى لا تألف بيتها ولا تحب الاستقرار فيه، وإنما تمسك فيه الصبيّة وتحرّج عليها أن تخرج منه، وتنطلق هى مع الشمس المشرقة لتعود إلى بيتها وابنتها حين ينشر الليل ظلمته على الأرض، ويسعى الموت والمرض مستخفيين إلى البيوت. كانت أم تمام تخرج من بيتها حين تشرق الشمس ملففة فى شقتها السوداء مطرقة بجسمها كله إلى الأرض فتقف أمام بيتها وقفة قصيرة تستقبل الغرب وترفع رأسها فى تكلف شديد إلى السماء، وتمد بصرها أمامها ثم تلتفت إلى يمين وإلى شِمَال تجذب الهواء بأنفها جذبا كأنما تحاول أن تتنسم رائحة الموت تندفع إلى يمين أو إلى شِمَال، ثم لا يراها الناس أثناء النهار كله إلا فى دار من هذه الدور التى ألم بها الموت وقام فيها المأتم يندين ويبكين. وكانت أم تمام تصل إلى هذه الدار أو تلك فلا تقول لأحد شيئا ولا تلقى إلى أحد سمعا، وإنما تقصد المأتم الباكيات وتجلس حيث ينتهى بها المجلس، لا ترفع صوتا بإعوال ولا تخفض صوتا بنحيب. لا تلطم وجهها ولا تخمش صدرها ولا تصنع صنيع أحد من النساء، وإنما تجلس ساكنة منعطفة على نفسها كأنها قطعة من صخرٍ سُوِّيَتْ على عجل ونُحِتَتْ فى غير نظام، وفاض من عينيها دمعٌ غزير غير منقطع كأنه بعض تلك الينابيع الضئيلة التى يتفجر عنها الصخر فى الجبال. حتى إذا بلغت حاجتها من البكاء فى هذه الدار تركتها إلى دار أخرى ثم إلى دار ثالثة. وما تزال كذلك حتى ينقضى النهار، لا تكلم أحدا ولا يكاد يكلمها أحد، ولا ترد على الذين يكلمونها رجع الحديث.

أكانت تبكى ابنيها أم كانت تبكى أبناء تلك الأسرة التى كانت تلم بها أم كانت تبكى صرعى الوباء جميعا أم كانت تبكى نفسها وابنتها بين الذين لم يصرعهم الوباء؟ وكيف كانت تعيش؟ وكيف كانت تتيح لابنتها الصبية أن تعيش؟ لم يستطع أحد أن يعرف من ذلك قليلا ولا كثيرا. لم يحاول أحد أن يعينها، ولم تحاول هى أن تستعين بأحد، وإنما أنفقت أيام الوباء تتنسم ريح الموت حين يُسْفِر الصبح، وتسفح دموعها فى منازل الموت أثناء النهار، وتعود إلى بيتها وبنتها حين يُقْبِل الليل. وتنجلى غمرة الوباء، وتخرج أم تمام من بيتها مع الصبح أياما وأياما فتستقبل بوجهها الغرب تتنسم ريح الموت فلا يحملها إليها النسيم، فترجع أدراجها وتدخل بيتها وتغلق من دونها الباب، ولا يراها النهار إلا حين تخرج مع الصبح لتتنسم ريح الموت!

ويراها أهل القرية ذات يوم قد خرجت قبل أن يرتفع الضُّحَى، وأخذت بيد ابنتها وجعلتا تسعيان فى بطء نحو الغرب، فيقول بعضهم لبعض: "هذه أم تمام قد ملَّت البطالة وسئمت السكون وشَقَّ عليها وعلى ابنتها الجوع، فخرجتا تلتمسان الرزق وتبتغيان من فضل الله". ولكن النهار لا يكاد ينتصف حتى يأتى نفر من الفلاحين يحملون جثة قد شاع فيها الموت، وجثة أخرى تمتع على الموت امتناعا، قد رأَوْا أم تمام تغرق نفسها وابنتها فى القناة الإبراهيمية، فأسرعوا إلى استنقاذهما، ولكن الموت سبقهم إلى الشيخة وسبقوه هم إلى الصبية. وتصاب الفتاة من جَرّاء ذلك بالجنون ويراها الناس دائما مشردة تسعى فى الطرقات كأنها السلحفاة، أو تعدو كأنها الأرنب ، أو جالسة إلى شط القناة تنظر إلى الماء أو تتطلع إلى المساء. وتظلّ فى حالها هذا يعطف عليها الناس مرة، ويسخرون منها مرات... إلى أن فوجئوا ببطنها ذات يوم منتفخا، فعلموا أن أحد الذئاب البشرية قد استغل بلاهتها واعتدى على عِرْضها. ثم تفرّق الأيام بين الراوى وسعدى فلا يدرى ماذا حدث لها، إلى أن يعود الوباء كرة أخرى فيتذكر أم تمام وابنتها البلهاء، وإن ظل لا يعرف من أمر الفتاة شيئا".

أرأيتَ إلى فن الكاتب العجيب فى وصف الأم وابنتها وسرد ما وقع لهما؟ ترى كيف استطاع طه حسين، وهو الكفيف، أن يصور أم تمام فى انحنائها ومشيها وتقريصها روث البهائم وتنسُّمها ريح الموت، وهو الذى لم أجد له فى هذا الكتاب من ألفاظ الألوان تقريبًا إلا الأبيض والأحمر: الأبيض والأحمر بإطلاق؟ وكيف استطاع أن يوحى لنا بفظاعة الفقد وجوّ الموت الذى لا يرحم، وأن يتدسَّس إلى قلب أم تمام الملتاع على ولديها ويصوّرها وقد كَظَمَتْ آلامها فلم تُعْوِل بالصياح ولم تلطم خَدًّا، بل اكتفت بالبكاء الصامت وانتظار شبح الموت الشنيع، حتى إذا استبطأته بعد طول انتظار أخذت زمام المبادرة فألقت بنفسها وابنتها فى الترعة التماسًا للراحة من العناء الذى يَؤُود الظهر والفؤاد، لتموت هى وتعيش الابنة، لكنها عيشةٌ الموتُ أفضل منها آلاف المرات! كيف يا إلهى استطاع طه حسين أن يفجر الدمع على هذا النحو فى جوامد العيون؟ إنه حديث الذكريات الذى يبرع كاتبنا فى تناوله بل فى استحيائه براعةً عجيبةً قَلَّ أن يباريه فيها نظير، وهو نفسه ما صنعه فى كتابه "الأيام"، وبخاصة فى وصفه موت أخته الصغيرة ذات الأعوام الأربعة التى كانت ريحانة الأسرة، وأخيه الذى كان قد قُبِل فى صيف تلك الأيام فى بداية القرن العشرين طالبًا بمدرسة الطب، وكان يساعد الأطباء فى معالجة المصابين من أهل قريته أثناء انتشار الكوليرا فى مصر آنئذ، فالتقط العدوى من بعض المرضى، وسرعان ما اغتاله الموت بعد أن برّحت به الآلام تبريحا فظيعا، مخلِّفا حسرةً فى قلب أمه إلى آخر حياتها، وهو وصف أبكانى عندما أعدت قراءة ذلك الكتاب فى الصيف قبل الماضى، وكأن الصبيّة والفتى ابناى أنا، وكأن موتهما لم يمرّ عليه سوى أيام معدودات! وقد بلغ من قوة الأثر الذى خلّفه وصف الدكتور طه لموت أخويه أن زكى مبارك كتب فى أوائل الأربعينات يقول إنه فكر أن يرسل له برقية عزاء رغم مرور ما يقرب من أربعين عاما على وفاتهما.

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."