محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الرفيق قبل الطريق:ثماني ساعات كأنها ثماني دقائق
تفاوضت مع المؤسسة اليابانية على أن أصطحب زوجي وابني هاشم في هذه الرحلة، فكان شرطهم أن لا يكون في هذا الأمر تعطيلاً لي عن برنامج الزيارة، وأن علي أن أتحمل تكاليف تذاكرهم إلى اليابان وتذكرة الرحلة إلى كيوتو وهيروشيما فوافقت. والحقيقة أن خديجة متفهمة لطبيعة عملي فقد حضرت معي العديد من المؤتمرات فقبل أن يرزقنا الله بهاشم كانت تحضر الجلسات معي وكانت تساعدني في تفهم رد فعل الحاضرين لما أقول ولتعليقاتي، وقد كانت متابعتها ممتازة في تلك المؤتمرات التي حضرتها معي. وعندما رزقنا بهاشم صار من الصعب أن تحضر الجلسات لأنه قد يحدث ضجة في القاعة، مع أني رأيت نساءً يحملن أطفالهن إلى بعض المؤتمرات، وفي بعض المؤتمرات يوفرون حضانة في أيام المؤتمر.
وفي ماليزيا كانت فرصة لخديجة للتعرف إلى كوالالمبور أكثر مني حيث أخذت خريطة المدينة وعرفت المواصلات العامة التي توصل إلى الأماكن المختلفة، فكنت أذهب لحضور الجلسات وكانت تنطلق لمشاهدة معالم المدينة والملاهي والحدائق العامة. وقد استمتع هاشم برفقة أمه إلى أماكن كثيرة لا يتوفر مثلها في المملكة. ويفتخر الماليزيون مثلاً بالمحافظة على المساحة الخضراء، وفي كل مدن العالم تقريباً يتم إنشاء حديقة في وسط المدينة تكون كالرئة لتلك المدينة. ومن العجيب أنهم أنشاوا حديقة في المدينة خارجها في الطريق الدائري الثاني وسميت الحديقة المركزية، والأولى لو أسموها الحديقة المتطرفة أو الطرفية.
اخترنا شركة كاثي باسفيك من هونج كونج لتنقلنا إلى طوكيو عن طريق هونج كونج ومدة الرحلة إلى هونج كونج حوالي ثماني ساعات. فدخلنا صالة السفر في مطار الرياض ولم نجد متجراً واحداً فليس في المطار سوى أكشاك القهوة والشاي وبعض الأكل الخفيف. ومن العجيب أن مطار الرياض يمكن أن يكون المطار الوحيد في العالم الذي ليس فيه متاجر. ولا أدري ما السبب؟ ليس في مساحة المطار أي ضيق والمسافر ربما نسي شيئاً فيريد شراءه من المطار أو يتذكر عزيزاً يريد أن يشتري له هدية فيجد المطار خاوياً من المتاجر. ولكن لهذا الأمر حسنة واحدة أنه يساعدك على عدم الشراء وبخاصة أن المسافر يحب الشراء عادة.
أقلعت الطائرة (يردد هاشم الطائرة تقلع) في موعدها على الساعة الثانية عشرة والنصف من مطار الرياض، وبعد قليل قدموا وجبة جيدة، ثم أخلدنا إلى النوم ولم تمض ساعة أو قليل فإذ بنا نرى الفجر الذي كنا سنراه في الرياض بعد أربع ساعات إذ به يصل بسرعة كبيرة. وكان هاشم يحب أن يمشي في الطيارة لأنه من الصعب أن تحبس طفلاً عمره سنتين في مكان واحد عدة ساعات فكنت أكسبها فرصة لممارسة بعض المشي.
لقد سافرت كثيراً وكانت بعض الرحلات طويلة مثل رحلة نيويورك من جدة التي تستمر ثلاث عشرة ساعة وكنت أجد بعض الملل إن لم يكن مع رفيق تقطع معه المسافة بالحديث والأنس، ولكن هذه الرحلة كانت كأنها ثماني دقائق وليس ثماني ساعات. فشكراً للرفقة الطيبة من خديجة وهاشم.
وصلنا هونج كونج وقد بناه الإنجليز قبل مغادرتهم الجزيرة إلى غير رجعة! وقال لنا سائق من أصل أفغاني أن الإنجليز بنوه ليستفيدوا من الأموال الضخمة التي كسبتها شركات المقاولات الإنجليزية والمعدات والأدوات التي اشتريت من بريطانيا، فقد يكون الكلام صحيحاً، ولكن ليس مستغرباً على العقليات الاستعمارية. وقد شاهدت بقايا الإنجليز في زيارتي لهونج كونج في العودة من اليابان.
وأقلعت الرحلة المواصلة إلى طوكيو في موعدها وما هي إلاّ ثلاث ساعات حتى كنّا في مطار ناريتا، ووجدنا المرافقة التي كلفتها المؤسسة بمرافقتنا تتعرف إلينا. وهذه المرافقة التي اسمها تاكاكاو شيموزو تعمل مترجمة في رابطة الضيافة الدولية وخدمات المؤتمرات، ولهذه المؤسسة علاقة بوزارة الخارجية اليابانية. وهي امرأة كبيرة في السن قامت بمرافقة العديد من ضيوف المؤسسة اليابانية ولها تجارب مع الوفود. وبعد أن قامت بمرافقتنا أكثر من سبعة أيام من الرحلة التي امتدت أسبوعين صرحت لي أن بعض من يأتي من الشرق الأوسط أو العرب لا يحترم الوقت، وقد صرحت بذلك بعد أن رأت أننا في عشرات المواعيد كنا نأتي قبلها أو تأتي هي قبل الموعد بخمس أو عشرة دقائق. أما نحن فقد كان التزامنا أضبط من الساعة السويسري أو الياباني.
لم يتدخل أحد لتسريع مرورنا من الجوازات فليس ثمة حاجة لذلك، وخرجنا من المطار في سيارة أجرة والمسافة بين المطار ومدينة طوكيو تزيد على ستين كيلو متراً. ووصلنا الفندق وكانت الساعة تقترب من التاسعة مساءً فوجدنا الموظفة المسؤولة السيدة موتسومي واكاهاماMutsumi Wakahama عن برنامجي تنتظرنا في الفندق لترحب بنا، وتسألنا عن الرحلة وتذكرني بالموعد في اليوم التالي.
وبعد أن ارتحنا قليلاً في الفندق خرجت إلى متجر قريب لشراء بعض الحليب وأشياء أخرى، ثم رأيت بريدي الإلكتروني وموقع ابن الإسلام فوجدت أن الأستاذ بشير نعمان يطالبني بتقرير عن رحلة اليابان. وكأنه يريد أن يرد لي ما سبق أن طلبته منه أن يكتب تقريراً عن مؤتمر المدينة المنورة. وهو يعرف أنه لا يحرجني وليس الأمر صعباً علي فما أكثر تقارير المؤتمرات التي قمت بكتابتها، ولكني أردت له فقط أن يتدرب على كتابة تقارير المؤتمرات.
وعلى الساعة العاشرة والنصف من اليوم التالي كان موعدي مع المسؤولين في المؤسسة اليابانية لمناقشة برنامج الزيارة والمواعيد التي تم تنظيمها والمواعيد التي ما تزال، وإتمام بعض الإجراءات المالية.
وأجد من المناسب هنا أن أكتب كلمة عن المؤسسة اليابانية Japan Foundation فهذه المؤسسة تأسست عام 1972 ومهمتها تشجيع التبادل الثقافي بين اليابان والشعوب الأخرى، وتعتمد أساساً على تمويل من الحكومة اليابانية حتى أصبحت مؤسسة عامة مستقلة لها دعمها الحكومي وما يأتيها من دعم من القطاع الخاص (كم أرباح البنوك عندنا وأين دعمهم للثقافة) بالإضافة إلى استمرار الدعم الحكومي الذي يبلغ أحد عشر مليار ين سنوياً
وتنشط المؤسسة داخل اليابان وخارجها ولها فروع رئيسة في طوكيو وكيوتو يبلغ عدد مكاتبها ثمانية عشر مكتباً، وقد افتتحت المؤسسة عدة فروع لها في الخارج منها فرع في القاهرة. ومن اهتمامات المؤسسة نشر الثقافة اليابانية واللغة اليابانية. وتقدم المؤسسة دعماً للباحثين اليابانيين لدراسة الشعوب الأخرى( الذي سجلوا رسائل ماجستير ودكتوراه حول الشعوب الأخرى، وقد قدموا دعماً لأكثر من خمسة أو ستة في المملكة كما أن السفارة اليابانية أحياناً تقدم وظائف لطلاب الدكتوراه فيعملون في السفارة ويبحثون في الوقت نفسه)
تعرفت إلى هذه المؤسسة قبل ثلاثة أعوام حين جاء إلى مركز الملك فيصل أحد الباحثين بتمويل من المؤسسة ومازال يطالب بأن يتوجه باحثون من السعودية للتحدث إلى اليابانيين حول المملكة.
وفي هذا اليوم كان لي لقاء كريم مع السفير السعودي في اليابان الأستاذ فيصل طراد التي استقبلني استقبالاً جميلاً وشكا من أن كثيراً من الباحثين أو الضيوف يصلون إلى اليابان ولا يفكرون أن يزورا السفارة. وتحدثنا عن إعداد السفراء والعاملين في السفارات وكيف أن الجامعات الغربية لديها برامج لهذا الغرض ومنها على سبيل المثال (معهد إدموند ولش للخدمات الخارجية بجامعة جورجتاون) وذكر أن وزارة الخارجية في السعودية بحاجة حقيقية لبرامج لتأهيل السفراء ومن أهم مواصفات السفراء أن يتقنوا لغات أجنبية وبخاصة اللغة الإنجليزية –علمت أن بعض السفراء عملوا في أوروبا وهم لا يتقنون حتى الإنجليزية، وفي وفود المملكة إلى الأمم المتحدة من لا يتقن اللغة الإنجليزية. وحتى لو كان هناك ترجمة فورية للخطابات لكن اللقاءات الجانبية لا يمكن أن يصطحب كل عضو معه مترجم. وقد ذكر السفير كيف أن الخطوط السعودية كان لديها برنامج متميز لإعداد العاملين مدراء محطات أو مدراء إقليميين حيث ركزوا على اللغة وعلى الاقتصاد وبخاصة اقتصاديات الطيران وأمور أخرى. فهل تتنبه وزارة الخارجية الموقرة لدينا لعمل برامج من هذا النوع والله الموفق.
|