محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
مصر كما رأيتها
مصر كما رأيتها
منذ كنا صغاراً كان يتردد على مسامعنا ان مصر أم الدنيا و لم نكن ندرك ما معنى تلك المقولة و لكنها بقيت في أذهاننا و نمت مع نمونا شوقاً وحباً وتطلعاً لزيارة هذه الام .
فالقصص حولها كثيرة . النيل والاهرامات والازهر والحسين . المقاهي والحارات والحكايات وغير ذلك مما يدفع المرء لجعل زيارة مصر من سلم أولوياته .
ومن المعروف أن العرب يحبون مصر ولها مكانة كبيرة عندهم وهي الملاذ الآمن ومركز الابداع والانطلاق كما أنها نقطة ارتكاز الامة من محيطها الى خليجها .
حطت بي الطائرة في القاهرة مدينة السحروالتاريخ والجمال معاً ، تشتم في جنباتها رائحة الماضي بكل ما فيه من تاريخ مشرق وعطرالحاضر وعبير المستقبل . لا بد للزائر أن يحبها لانها عريقة و عظيمة في ان واحد ، ولا بد أن يحبها لاتها القاهرة بكل ما فيها من عطف وحنان ، ولا بد أن يعشقها لانها الام الحنون الآمن والحضن الدافئ . ترى فيها كل شيئ جميل وعظيم .
في أيامنا الاولى كنا مذهولين ومشدودين مما نرى . النيل والاهرامات والمساجد والمعابد والحواري . الفن والابداع , والثقافة المتنوعة وكل ما توقعناه وما لم نتوقعه من مزايا جعلت من الزيارة تاريخية بكل ما في هذه الكلمة من معاني وتفسيرات ، الديمقراطية والحرية في مصر فطرية لا يستطيع أحد ان ينكرها ولا ان يمسها ، فما شاهدته من هامش حرية سواءً في التعبير المباشر أو عبر النشر بمختلف المطبوعات لم أشاهد مثله في دول عديدة و مختلفة .
وأقسم أن كل من يمس أمن مصر بسوء انما يقدم خدمات لاعداء الامة العربية والاسلامية و كل من يثير الفتنة في مصر انما يسعى لتدمير صرح من اصرحة الخير والعطاء والحرية والديمقراطية العربية .
وأكاد أجزم ان معظم ما نسمعه أو نقرؤه من الصحف الدولية والتي تستهدف احياناً الاساءة لسمعة مصر انما هي من تدبير بعض المشوشين و المهزوزين فكرياً واجتماعياً , فما شاهدته و سمعته و عايشته " كان مصر الخير والبركة والحب والعطاء " وآثرت أن لا اكتب مقالي هذا حتى أصل الى عملي في استراليا كي لا يقال أنني اتصنع المجاملة مع احد لان بعض شعوبنا العربية اعتادت هذه الايام على نكران الحقائق والاساءة لغرض الاساءة فقط واكرر هنا ان القيادة الحكيمة لمصر جعلت منها انموذجا يحتذى به ، ونستطيع القول ان الرئيس المصري وعند كل منعطفات أية أزمة عربية تنطوي على مقومات زلزالية يحذر من المخاطر الكامنة التي يراها بقوة العقل والمنطق والرؤية الاستشرافية ، فلقد وضع ادارة الرئيس بوش أمام مسؤولياتها قبل غزو العراق ولكن الهوس قاد واشنطن الى اكبر كارثة في التاريخ العربي الحديث بعد سقوط فلسطين عام 1948 وهاهو الآن يحذر اللبنانيين من مخاطر مايجري على الساحة اللبنانية واضعا الجميع امام مسؤولياتهم في العودة الى الحرب الاهلية فوراء الاكمة ما وراءها .. لكن من تراه يصغي للرئيس حسني مبارك الحاكم باسم العقل والحكمة والحنكة واذا سمع احد له فهل يتهيب المخاطر خصوصا ان الرجال في أفعالهم وليسوا في أقوالهم . وعلى أي حال أنه بوصلة الزمن العربي نحو الرقي نادرا ما يكون الاسم متطابقا مع الشخص الذي يحمله كما هو الحال مع الرئيس المصري فهو المرادف للبركة والخطوات المباركة وكذلك المواقف الحاسمة والمتوازنة والمشدودة دائما الى الايجابيات حتى في ذروة الزمن الصعب . وانا الان استطيع ان افهم عمق الصدمة والوجوم والقلق الذي ساد الشارع المصري اثر الوعكة الطارئة امام مجلس الشعب والشورى قبل نحو عامين فهذا القائد المصري والزعيم العربي والرمز العالمي لحوار الحضارات والشعوب الذي جعل من الحق العربي حقيقة دولية استثنائي في شخصه ودوره ورؤيته للامن والسلام كما أنه احدى العلامات المضيئة في تاريخ مصر المسكون بقلق وهواجس مستقبلها .
- يقول "الاحنف" ان الرئيس مبارك قد ورث نظام السادات بعد حادث المنصة الشهير في 6 تشرين الاول – اكتوبر-1981 وكان سلفه قد وصل الى حالة الصدام مع الطبقة السياسية المصرية وزكى التيارات الاصولية التي ذهب ضحيتها بعدما انقلبت عليه وثمة من يقول ان الرئيس جمال عبد الناصر لم يحسن اختيار خليفته بتسمية انور السادات لهذا المنصب فيما هذا الاخير احسن اختيار خليفته . اي الرئيس مبارك الذي انتقاه من بين ضباط المؤسسة العسكرية وعهد اليه بجهاز الامن الذي نجح في ادارته وتفعيله وتحصين الساحة به .
والثابت ان النظام المصري كان في ازمة يوم اغتيال السادات وحرص الرئيس مبارك منذ الايام الاولى للولاية على تبديد وفكفكة عقد وتعقيدات الازمة فصالح الطبقة السياسية وافرج عن رموزها واعطى الحرية للاحزاب بشكل لم يكن مألوفاً في العالم العربي ثم عاد واصطدم بالتيارات الاصولية فكسب المعركة عليها ، والمعتقلون من الجماعة الاسلامية او الجهاد في سجن ليمان طره أو غيره تابوا عما اقترفوه ، وخرج بعضهم ليدعو الى الوئام والسلام واسقاط ايديولوجيا الارهاب الاسود، والمغزى لا ينحصر فقط بترويض المارد واعادته الى القمقم بل بتحويل السجون الى مدرسة للارشاد والتوعية والتوجيه وهذه علامة حضارية قد لا تكون مألوفة في حالات و اوضاع مشابهة. و لعل البصمة المباركية البارزة ايضأ تتمثل بمصالحة مصر مع العالم العربي وعودة القاهرة من خلال اعادة الجامعة العربية اليها كمركز الثقل في التوجيهات الاستراتيجية العربية وحل المشكلات الطارئة و المزمنة ، يقول الرئيس مبارك انه ليس عبد الناصر وليس السادات ايضاً ؟ وهو يعني بذلك طريقة التعامل مع الانظمة العربية ، فهو لم يوجه خطابه الى الشارع العربي الامر الذي اكسبه تعاطف الانظمة ووثوقها به خصوصاً الدول الخليجية ودون التعاطي على طريقة المحاور و التكتلات ، صاغ نوعاً من المثلث السياسي الذي تشكلت اضلاعه مع سورية والسعودية ومصر، وهو اشبه بالمرجعية االسياسية التي تنسق في الخطوط العامة ولا تدخل في التفاصيل المحلية، وتبقى قراراتها وتوجهاتها غير ملزمة وهذه صيغة مربحة بديلة من المحاور والجبهات . ولاشك ان الكلمة المفتاح في دور الرئيس مبارك وعمارته السياسية ومجموعة رؤاه الاستراتيجية هي السلام العادل والدائم بين العرب واسرائيل كما انه احد الدعاة الملتزمين بمد الجسور مع الغرب وعدم الاصطدام به ، وتبعاً لذلك فهو الرافض للاسوار والجدران والمتحمس لكسب العالم الى جانب القضايا العربية العادلة ، ولايتعب من التهدئة على جبهة الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني ولا ييأس من العمل لهدنة طويلة تحتضن فرصة تسوية نهائية في اجواء باردة ، ولذلك ينصح بالتعامل العقلاني والبراغماتي ويرى احياناً ان التراجع خطوة الى الوراء مناسبة للتقدم خطوتين للامام اذ يجب الا تحجب التفاصيل الصغيرة والانية الاهداف البعيدة والكبرى في صراع على هذه الدرجة من التعقيد بين العرب واسرائيل .
فما فعله الرئيس مبارك لمصر لم يفعله رئيس سابق ونستطيع القول ان مصر لا يعكر صفوها الجميل الان سوى ثلاثة فئات رئيسية بالمجتمع :
- المتسيسون الجدد الذين يهدمون اكثر مما يبنون ويرفعون شعارات ظاهرها فيها الرحمة وباطنها ملؤها العذاب وهم عبء ثقيل على الامن لانهم لا يدركون ما يفعلون .
- الناقدون للدولة والسياسة وللحزب الحاكم والذين لا يقدمون حلولاً افضل وليس عندهم رؤية شاملة للحل وكل ما استطاعوا تقديمه بعض العروض العسكرية في داخل جامعات آمنة هادئة اساءت لهم وللجامعة وللمجتمع وبثت الرعب في صفوف المواطنين وهذا حالهم منذ عشرات السنين لا يقدمون ولايطرحون سوى نظريات غير قابلة للتطبيق وثبت فشلهم السياسي حتى الان ولايحظون بكثير من الدعم الشعبي .
- فئة "الاغبياء" الذين يسيئون لمصر ولسمعة مصر ودور مصر في الداخل والخارج واغلبهم المنتفعون سواء من صغار القوم او الجهلاء الاغبياء الذين يقدمون دائماً صورة سيئة عن الوطن ويحاولون باعمالهم تشويه الوجه الحضاري للامة المصرية العظيمة وهم غالباً يلهثون وراء ملذات ومكاسب ذاتية وشخصية ومنهم بعض المغتربين المصريين في الخارج , وسأعطي في نهاية الموضوع عدد من الامثلة الحية على ذلك .
فما يفعله الشرفاء في سنوات يهدمه الاغبياء في ايام وربما ساعات والاغبياء الجهلاء في كل مجتمع متواجدون؟؟
( للحديث بقية)
رشيد بن محمد الطوخي
رئيس تحرير مجلة الوقائع الدولية الفرنسية
|