المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
اعرف عينيك..!!

اعرف عينيك..!!

منذ أسابيع أنعم الله علي بشراء سيارة جديدة فله الحمد والشكر، وقد بعت سيارتي القديمة التي حملتني ومن معي تسعة أعوام.. جزاها الله عني خيرا..

وما إن تبدل الحال حتى صرت أمتدح الجديدة وأتغنى بمحاسنها فهي مريحة وهادئة وناصعة وكبيرة وأميرة، وأخذت أجمع مشاكل القديمة وأحصيها حتى بلغت سلبياتها أربعين سلبية عدّا وليس مبالغة..!! فهي مطقطقة ومطرطقة وسيالة وعواية ومدوية ...!!!

فلله دري.. كيف أطعت عيني الرضا والسخط...؟؟!!

وعين الرضا عن كل عيب كليلة   ولكن عين السخط تبدي المساويا

وصدقوني لو أنني أبقيتها - لضيق ذات اليد - لجادلت كل من ينصحني ببيعها بذكر خصالها ومحاسنها، والثناء على خدماتها الجليلة والتي لا تقدر بثمن...!!

ولن تعدم المدح والذم وأنت تذكر أمرا ما، لأنه وبلا شك أن الحياة وشؤونها لا تحوي مصالح محضة.. ولا مفاسد محضة.. بل مصالحها ومفاسدها مختلطة.. وكل شيء له سمات... إيجابيات وسلبيات، لكن الغريب في ابن آدم أنه يعظم خيرات ما يهواه.. ويغلظ شرور ما لا يرضاه...!!

ولو أُلزم يوما بما لا يرضاه - لسبب ما - فإنه سيحول عيوبه شمائل يعددها ويرددها، تماما كالطفل يريد اختيار لعبة ما، فإذا ألزمته بغيرها ورأى الأمر حاسما قال: لا بأس!! هذه أحسن فهي تتحرك وتتكلم ووو.. كأنما يعزي نفسه، ويبين أنها اختياره الذي لا محيص عنه...!!

وهذا ما يحدث تماما إذا أوصتني زوجتي – أو أوصتك زوجتك بالطبع- بشراء نوع ما من المنظفات أو المطعومات فلم تجده واشتريت ما لم تكن تحتسب، فإنك ستقضي سائر طريقك إليها وأنت تستجمع فوائده، وكراماته وسحره الأخاذ لعل الله أن يفتح عليك بالحجة والبرهان...!!

كنت أجالس بعض معارفي فأراه يستقبح شراء سلعة ما، ويستهجن إقبال الناس عليها، وإذا به بعد أيام يشتريها ويعدد مزاياها ورخصها وأنه الرابح من شرائها...!!

والأعجب من ذلك أن ترى رجلا ينهى الناس عن خلق.. ويأتي مثله.. ثم يسوغ لنفسه ذلك الخلق ويلتمس لنفسه المعاذير .. ولعمري إن ذلك كثير...!!!

كنا وما زلنا نحفظ مقولة نكررها.. (ضرب الحبيب زبيب..) و(القرد في عين أمه غزال) وكل تلك الأحكام تابعة لرضى القلب .. زبيبا كانت أو غزالا...!!

منذ مدة أدرّب نفسي –وأسأل الله الصبر- على أن لا أبالغ في مدح من أعجب بهم... ولا في ذم من أنكر عليهم... وصدقوني لقد وجدت في الأمر صعوبة .. لكن الحال تتحسن بحمد الله.. فلئن كان ذلك الطبع في وصف الأشياء مقيتا.. فهو في وصف العباد أشد مقتا..!!

ألم تروا رجالا يمدحون رجلا فيرفعونه إلى الغمام فهو البرّ التقيّ العالم العلّامة وحيد دهره وفريد عصره ويتيمة الزمان، فإذا تغيرت فكرتهم عنه صار أخرق منحرفا فاسد العقيدة ضالا مضلا يهرف بما لا يعرف يقول القول الشطط الذي لا تقول به القِطط...!!

وجازى الله أؤلئك النفر من يهود المدينة إذ أسلم حبرهم عبدالله بن سلام - رضي الله عنه – فدعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتوه، فقال : أي رجل عبد الله فيكم ؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا: قال: أرأيتم إن أسلم؟ قالوا أعاذه الله من ذلك.

فخرج عبد الله فقال : أشهد أن لا إله الله وأشهد أن محمداً رسول الله قالوا: شرنا وابن شرنا وانتقصوه أيما انتقاص....!! فهم والله قوم بُهت..!!

وفي سبيل ذلك الطبع العجيب في بعض بني آدم قد يصوغ العبارات المادحة والذامة ليرفع ويخفض، وما هي إلا تعبيرات لا تعدو... ولكنها عين الرضا وعين السخط .. ورحم الله الأول إذ يقول عن العسل:

تقول ذا جنى النحل وإن شئت        قلــــــــــــت ذا قيء الزنابير

قدحا ومدحا وما جاوزت وصفهما   والحق قد يعتريه سوء تعبير

يرى أحدنا القذاة في عين أخيه يعيبها، ولا يرى الجذع في عين نفسه شيئا.. بل لا يراه في عين أخيه الآخر الذي يحبه ويميل إليه شيئا... وتلك من زلات لا يسكت عليها...!!

وعلى المرء أن يستحضر عند أحكامه على الرجال والأشياء والأحوال أن وراء كل تلك الأحكام قلبا راضيا أو غير راض.. هو يوجه العين لترى المحاسن مساوئ.. والمساوئ محاسن.. وخطورة ذلك تكمن في إطلاق الأحكام اتباعا للهوى.... والعاقل لا يتبع هواه أحكاما...!!

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."