محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
أنيــــن في محـــبــرة ......الكاتب الساخر: محمد الماغوط من كتاب سأخون وطني
الذين لا يتحدثون إلا عن الأدب الجاد والمسرح الجاد والخبز الجاد والويسكي الجاد والأفلام الجادة والمواعيد الجادة هم في الحقيقة أكبر مهرجين في الساحة الأدبية ولا ينقصهم إلا دلال عقاري جاد يقنع زياد مولوي بالتخلي لهم نهائياً عن مسرح الخيام....
فالمسرحية الجادة من وجهة نظرهم هي التي ما إن تبدأ حتى يبحث المشاهد عن أقرب مخرج للنجاة ولو من المدخنة .
والفيلم الجاد هو أن تحجز في السينما مقعد واحد وفي دير الصليب سريرا.
والرسم الجاد هو الذي تحتاج كل لوحة منه إلى شرطي سير ليشرح للمتفرجين بعصاه وصفارته أين تبدأ الخطوط وأين تنتهي .
والراقصة الجادة هي التي لا تهز خصرها أمام الجمهور إلا وهي متأبطة مؤلفات روجيه غارودي من جهة ورواية الياطر من جهة أخرى .
والغرام الجاد هو أن يتنحى العاشقان ركناً بعيداً عن ضوضاء الناس ومتاعب الحياة ويتهامسان تحت ضوء القمر ، عن الرقابة التموينية والثغرات في قانون الإصلاح الزراعي.
والسباحة الجادة هي أن يلبس المثقف مايوهاً رصيناً ، ويستلقي على ظهره في حوض السباحة ويطالع مجلة الموقف الأدبي ، أو جريدة اللوموند.
والمطرب الجاد والملتزم بقوت شعبه وثقافة مواطنيه هو الذي لا يغني كعبد الوهاب سهرت منه الليالي أو يا ما بنيت قصر الأماني بل يغني "تثقفت" منه الليالي و"يا ما بنيت فرن الأماني "
هؤلاء الجادون المتجهمون ، الذين يعتقدون بأن أفضل طريقة لدعم العمل الفدائي وتحرير الأرض المحتلة وبناء الصناعات الثقيلة وتطوير مناهج التربية المدرسية هي أن يظلوا مقطبين من المهد إلى اللحد ، ولا يدعو أحداً يرى أسنانهم الجادة إلا في المناسبات الكبرى .
هؤلاء لا أكتب لهم ولا أقرأ ....
أكتب للآخرين ، للأنقياء أكثر من المطر قبل أن يلامس الأرصفة .
لمن لا يعرفون إذا كانت "اللوموند" تصدر في باريس أو في أبو ظبي .
للذين يولدون ويموتون من دون أن يغادر أحدهم قريته ، أو يتخلى عن أصدقائه ، أو يغير نوع تبغه ، أو يبدل طريقة استلقائه على عشب البيادر أو بلاط السجون .
للعامل الذي ينهي فطوره على ظهر دراجته .
والخادمة الغبية التي تغطي وسادتها بدموعها كلما أسرت أميرة في مسلسل إذاعي ولا تهنأ بنوم حتى يفرج عنها في الحلقة المقبلة لتعود إلى قصرها ووصيفاتها وهي إلى سطلها وممسحتها .
أكتب للفلاح الذي يتبارك بالمطر وينتشي بالبرق ويطرب بالرعد ... ولا شيء يضيء وجهه في ظلمات الشيخوخة سوى عقب لفافته .
للذين يموتون ويولدون وهم يقتعدون أرصفة قصر العدل وردهات الدوائر العقارية والكراجات العمومية من دون أن يقابلوا أحداً غير ظلالهم على الأرصفة .
أكتب للمطر .. للحب .. للحرية .. للربيع .. للخريف
أكتـــــــــــــــــــــــــــب لأعيــــــــــــــــــــــــــــش
|