محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
سأخون وطني للكاتب السوري محمد الماغوط
مقدمــــــــــــــــــــــــــــة:
محمد الماغوط أديب طريف مثير للعجب ، فهو قبل أن يخون ، يؤلف كتاباً يكرسه للإنذار بأنه يعتزم أن يخون وطنه وفي زمان تتم فيه أفعال الخيانة ســــــــــــــــراً ،فأي وطن هو ذلك الذي سيخونه وعلناً وبفخر؟
الأوطان نوعان : أوطان مزورة وأوطان حقيقية...
الأوطان المزورة أوطان الطغاة، والأوطان الحقيقية أوطان الناس الأحرار .
أوطان الطغاة لا تمنح الناس سوى القهر والذل والفاقة ، ومدنها وقراها لها صفات القبور والسجون ، ولذا فإن الولاء لأوطان الطغاة خيانة للإنسان بينما عصيانها والتمرد عليها إخلاص للإنسان وحقه في حياة آمنة يسودها الفرح وتخلو من الظلم والهوان لا سيما وأن الولادة في أي وطن هي أوهى جذر يربط الإنسان بوطنه ، ولن يقوى ذلك الجذر وينمو ويكبر إلا بما يعطيه الوطن من حرية وعدل.
لقد كان محمد الماغوط دائما ًيظن أنه رجل القضايا الخاسرة والمخفقة، ولكن الوقوف مع الناس إبان محنهم لم يكن في أي يوم من الأيام قضية خاسرة ، إنما هو امتحان عسير للأديب خاصة وأن الكتابة في وطن الطغاة أقل أماناً من النوم مع الأفاعي في فراش واحد ..
في هذا الكتاب الأسود ، الجميل ، الممتع ، المؤلم ، الساخر، المرح ، ينجح محمد الماغوط في الجمع على أرض واحدة بين الليل والنهار ، بين الأمل واليأس بين مرارة الهزائم وغضب العاجز ، ليقدم صورة لما يعانيه الإنسان العربي من بلاء من سياسييه ومثقفيه وجنده وشرطته وأجهزة إعلامه ، مكثفاً ذلك البلاء الكثير الوجوه في بلاء واحد هو فقدان الحرية .
والحرية حتى في مملكة الحيوان تُحمى بالمخالب والأنياب ، وتهرق الدماء في سبيل الحفاظ عليها ،أما في مملكة بني البشر فالحرية مبرر الوجود والاستمرار، وإذا فقدت غدت الحياة الوجه الثاني للموت .
ومحمد الماغوط الذي عاش نصف قرن وثلاث سنوات وعرف ما على القمة وما في الهاوية ، ولا يزال حياً ، يرصد في كتابه " سأخون وطني "تجربته القاسية
المُرة مع الحياة في الوطن العربي ، ولكنها ليست تجربته وحده بل هي تجربة جيل بأسره ، جيل مسكين خُدع منذ الصغر بالشعارات السياسية والفكرية البراقة ، ولم يكتشف أنه مخدوع إلا وهو يدق أبواب الشيخوخة بقبضات واهنة ، فعلم آنذاك أنه قد أضاع أجمل سني عمره هباءً، وإذ هو لم يشيد مدناً سعيدة للإنسان إنما شيّد سجوناً سُجن فيها ، وصنع سياطاً عُذّّب بها ، وأوجد مشانق تدلى منها .
هذا الكتاب شهادة فاجعة صادقة على مرحلة مظلمة من حياة العرب في العصر الحديث ، وتصلح لأن ترفع إلى محكمة الأحفاد كوثيقة تدحض أي اهتمام بالتقصير والاستكانة يوجه إلى الأجداد ، فالعنق الأعزل لا يستطيع الانتصار على سكاكين المفترسين .
والكتاب أيضاً يعزز الثقة بالكلمة في زمان الكذب والرياء ، ويعيد إليها بهائها المفقود.
الكاتب : زكريا تامر
|