منذ عقود طويلة غزت الشبكة العنكبوتية العالم وجعلت منه قرية صغيرة يصول ويجول فيها كل متصفح لهذا العالم الافتراضي، ويستحضر كل ما يدور في العالم سواء أكان سياسيا، علميا، ثقافيا أو اقتصاديا، فهي كسرت كل الحدود الجغرافية وعبرت القارات لتدخل إلى كل البيوت الفقيرة منها والغنية، كما شكلت متنفسا حقيقيا لمناقشة المواضيع الأكثر حساسية التي لا يمكن تداولها إلا من خلال منتديات الانترنت بعيدا عن رقابة الأنظمة الحاكمة.وإذا كان هذا هو المشهد في اغلب دول العالم فان الصحراء الغربية أرادها ويريدها المغرب أن تبقى معزولة عن العالم الخارجي بل وعن تطورات القضية الوطنية التي لا تخلو جلسة شاي اليوم إلا وتطرح فيها مستجداتها وآخر تطوراتها وآفاقها المستقبلية بحكم تربعها على عرش ثقافتنا الشعبية، والمغرب الذي يتشدق بتمسكه بحقوق الإنسان والحريات العامة التي تكفلها كل القوانين الوضعية والعرفية يمارس اليوم قمعه الممنهج حتى على متصفحي الانترنت بارتكابه أبشع الجرائم وبأحدث الطرق في ظل الحصار الإعلامي والعسكري المفروض على هذه المستعمرة والتي يريد أن يستعمر فيها الفكر والكلمة الحرة المدوية.وفي غياب أي نص قانوني يفرض عقوبات زجرية على الحريات العامة الرقمية، ومع بزوغ فجر انتفاضة الاستقلال المجيدة كسرت الانترنت هذه القاعدة محطمة جدار الصمت الذي أراد القصر الملكي أن يبيدنا خلفه، فكم سمعنا عن اعتقالات لشبان صحراويين داخل نوادي الانترنت بالقطاع المحتل من الصحراء الغربية، أضف إلى ذلك حجب ومحاولات هدم كل المواقع المؤيدة لاستقلال الصحراء الغربية إلى جانب المواقع الرسمية والإخبارية الصحراوية في محاولة من النظام المغربي الهمجي لمنع أشاوس الصحراء من زيارة هذه المواقع وغيرها في الوقت الذي تغزو فيه المواقع الإباحية الشبكة في إطار الترويج لسياحة الجنس ل"أجمل بلد في العالم" والمصنف بخمسة نجوم من فيديوهات وصور خلاعة لبنات المغرب، ولما لا فهذا هو الحفاظ على النظام العام والأخلاق العامة في أعراف المخزن.المهم انه رغم كل محاولات الحجب والهدم المستمرة إلى حدود كتابة هذه الأسطر لن تثني عزيمة أبناء الصحراء لان لهم إرادة كالرمح لا تنثني، وهذه المحاولات التي هي في حقيقة الأمر امتداد للفكر التوسعي المغربي تحسب للقائمين على كل المواقع الصحراوية وللقضية الوطنية التي تواجه اليوم أكثر من أي وقت مضى معركة إعلامية حامية الوطيس طرفها الأول نظام مغربي بمختلف أجهزته الأمنية والاستخباراتية، والطرف الثاني مبتدئين في تقنيات الإعلاميات والكمبيوتر من أبناء الصحراء يوصفون بالأنشط استخداما للانترنت في شمال أفريقيا.فمن ينكر اليوم ما أثارته صور السجن لكحل بالعيون المحتلة على سبيل المثال لا الحصر من جدل كبير من خلال لفت انتباه المنظمات الدولية الحقوقية والحكومية منها وغيرها إلى ما يعانيه الشعب الصحراوي المضطهد، أو ما حققته غرف "البال تولك" من اتصال وتواصل بين شرق وغرب الصحراء الغربية، وكيف تم استغلال هذا المنبر ايجابيا لنقل تطورات انتفاضة الاستقلال أولا بأول.ومن يتذكر آخر تصويت على شبكة الانترنت في حلقة من برنامج الاتجاه المعاكس بتاريخ 24 ابريل الماضي حول موضوع أيهما الأفضل لحل قضية الصحراء الغربية: الحكم الذاتي أم استفتاء تقرير المصير، ويومها كانت النتيجة 36،2 بالمائة مع الخيار الثاني من أصل 487001 صوت وهي نسبة كبيرة إذا ما نظرنا إلى إمكانيات هذا الشعب وظروفه القاسية من افتقار مخيمات اللاجئين الصحراويين إلى الانترنت، ومعاناة أهالي المناطق المحتلة من التضييق على حرياتهم في التعبير وحجب للمواقع وغيرها من الوسائل الخبيثة التي يجيدها النظام المغربي، ولا أدل على ذلك من بيان منظمة صحفيون بلا حدود الصادر نهاية 2005 والذي أدانت فيه قيام السلطات المغربية بحجب العديد من المواقع الالكترونية الصحراوية، فالى متى يسعى النظام المغربي الى محاولة حجب الانسان الصحراوي عن بعده واصله الصحراوي شرقا، بدل التفكير الجدي في احترام حقوقه الانسانية، والاقتصادية، والفكرية، وإلا متى سيستطيع نظام الرباط الاستعماري إخفاء شمس حقيقة رفض الشعب الصحراوي لاحتلال بلاده ، هذا ما ستكشفه الايام القادمة، وهذا هو جزء من التحدي الذي علينا رفعه.
هدا المقال نشر على موقع اتحاد الكتاب والصحفيين الصحراويين