المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
كيف نفهم صبر المصريين؟

كيف نفهم صبر المصريين؟

مصطفى عاشور

مظاهرة ضد الفساد والاستبداد تصادف في نهايات عام 2005 أنني قمت بجولة في وسط القاهرة مع صديق فلسطيني أثناء المظاهرات المطالبة بالإصلاح السياسي التي نظمتها حركة كفاية والقوى السياسية الأخرى، ورأى صديقي قوات الأمن المركزي بملامحهم القاسية وكثافتهم المبالغ فيها تحاصر المتظاهرين، وأراد أن يتحرش بهم، ففزعت وجذبته بعيدًا، وقلت له "نحن في مصر" وبالغت في تصوير بطشهم، وقلت لو أنهم وجدوا في مكة المكرمة أثناء البعثة النبوية لقطع هؤلاء الجند الصحراء وراء المؤمنين.

وهنا تطفو على السطح أحاديث السياسة والثقافة فيما جرى ويجري في مصر من مطالبات بالإصلاح، وحالة الغضب والاحتقان المتصاعدة في المجتمع بكافة أطيافه من قضاة ومثقفين وأساتذة جامعات وصحفيين ومحامين وطلاب وعمال وقطاعات شعبية لم يعرف عنها الغضب والاعتراض على السلطة؛ حتى وصل عدد الاعتصامات والإضرابات العمالية في أحد الشهور من عام 2007 ما يقرب من التسعين إضرابًا واعتصامًا، ورغم ذلك جرت قراءات لهذه الاحتقانات فصلت بين الحدث السياسي وبين الثقافة التي أنتجته وشكلته بهذه الكيفية وأخرجته بتلك الصورة، فانهالت ألسنة حداد على المصريين تصفهم بكل نقيصة وأنهم شعب ألف السكون وعدم التمرد وعدم المطالبة بحقوقه، وانقلب النقاش إلى جلد للذات، ونقد لطبائع المصريين.

ثقافة بلا انقطاع

المصريون كأي شعب له خصاله الجيدة وخصاله غير الجيدة، وله خبرته وحكمته ومشكلاته التي عمقها طول التجربة وغياب الانقطاع، ومن ثَم فالناظر إليهم يجب ألا يرى قشرة الفعل، وسطح الصمت، ومظهر الانسحاب؛ لكن يجب أن يقترب من ثقافتهم ويدرك أنها ثقافة معقدة ومتجذرة، ويتساءل: لماذا أنتج المصريون هذا الفعل بهذه الطريقة؟ ولماذا فضلوا الصبر على الثورة، والصمت على الغضب، والطاعة على التمرد، والمشي داخل الجدار بدلاً من كسره؟.

قد ننظر للمصريين على أنهم لم يسعوا للانطلاق إلى الحرية، وأنهم فضلوا الحياة مهما كان كدرها، حتى لو كان الخبز مطحونًا بالكرامة، كل هذا الكلام قيل في حق المصريين، بل يقال أكثر منه وأشد.. لكن هل المصريون هم تلك الشخصية، وهل خلقوا "خاضعين بالطبيعة"، ولا جدوى من التغيير؛ لأن هذه الرواسب تشبه النقوش الفرعونية، فالشخصية المصرية أعظم آثار الفراعنة وليس الأهرامات.

والواقع أن الإجابة على الإشكالية السابقة تحتاج إلى فهم لكيفية تشكل وعي المصريين وموقفهم من السلطة، وطبيعة إدراكهم لمركب السلطة؛ فالبعض يرى أن العلاقة بين المواطن وبين السلطة حسمت منذ وقت مبكر، وتمت صياغة أسسها قبل آلاف السنين بلا انقطاع، واستقرت على ذلك الممارسة والخبرة التاريخية، وبالتالي لا سبيل للعودة إلى الجذور البعيدة لإصلاح ذلك الخلل.

الحرمان.. والغضب

المسيري في مظاهرة بوسط القاهرة

لكن المتأمل في التاريخ الإنساني سيلحظ أن الكثير من الشعوب عرفت في تاريخها تمردًا وثورة وغضبًا وهبّات ضد الاستبداد والظلم الاجتماعي والاقتصادي في أي مكان عرف وجودًا للبشر ووجودًا لسلطة تحكمهم وتنظم علاقاتهم وتوزيع الموارد فيما بينهم، لكن الدوافع الكامنة وراء هذه الهبّات والتمردات كانت تختلف؛ لكنها ارتبطت في عمقها بالسخط المشترك الذي يشعر به أفراد المجتمع تجاه السلطة، وهو ما انعكس في حجم هذه التمردات، ونطاقها، وعدد المشاركين فيها، والأنماط التي لجأت الشعوب إليها للتعبير عن غضبها، ومدى استمرارها لتحقيق أهدافها.

ورغم محاولات البعض إيجاد مقاييس للغضب ورفض السلطة، مثل: نسبة القائمين بها مقارنة بمجموع الشعب، والمدى الزمني لاستمرارها، وطبيعة مطالب الغاضبين، وطبيعة وعمق التناقضات التي أدت إلى هذا الغضب.. لكن كان من الصعب إخضاع البشر لمقاييس واحدة تتجاوز فكرة الزمان والمكان والثقافة والتاريخ.

والمؤكد أن التعبير عن الغضب لعب دورًا في إحداث التوازن في النفس والمجتمع والنظام عند القيام به في تجارب إنسانية، حيث رضيت بعض المجتمعات بالفوضى المؤقتة التي تقود إلى إحداث التوازن المختل؛ وذلك للتأسيس لشكل جديد من العلاقات بين مكونات المجتمع والسلطة، وبالتالي كان الغضب والثورة ينهي أو يضعف طبقات وعلاقات انتهت صلاحيتها ليعطي الفرصة لعلاقات جديدة، سواء في النظام السياسي أو القوى المجتمعية؛ لتؤسس لنفسها نظامًا جديدًا وشرعيًّا يقوم بعمليات جديدة في توزيع السلطة والثروة؛ ليضمن نشوءًا جديدًا لطبقات وعلاقات مغايرة عن الأوضاع السابقة.

والتساؤل، هل للحرمان بمعناه السياسي والاقتصادي دور في غرس وتنمية ثقافة الغضب والعنف والتمرد في جماهير وشعوب معينة، ومن ثَم يكون وجود الحرمان بدرجاته المختلفة موقظًا ومستدعيًا لهذه الثقافة لكي تحقق الإشباع والتوازن مرة أخرى؟..

التجربة التاريخية تشير إلى أن وقوع الحرمان ليس بالضرورة مستدعيًا لثقافة الغضب وبركان التمرد، حتى في الشعوب التي عرف تاريخها الثورات والانتفاضات؛ نظرًا لأن الحرمان متنوع وله أشكال ودرجات متعددة، فهناك:

الحرمان المتناقص: حيث يتضاءل الحلم وينكمش الواقع... لكن بعض الشعوب كانت تقوم بإيجاد مضادات طبيعية من ذاتها لتعيد لنفسها التوازن، فتقوم بعملية التفاف على الغضب والاحتقان بإيجاد قدر ما من التكيف، والتغلب على تناقص القدرات التدريجي.

الحرمان الطموحي: وفيه تظل القدرات ثابتة نسبيًّا، في حين تزداد التوقعات وتتعمق الفجوة بين الواقع والمأمول.

الحرمان المتدرج: وينطوي على زيادة كبيرة ومتزامنة في التوقعات ونقص في القدرات.

الملاحظ في الواقع المصري أن الكثير من طبقاته وفئاته يعانون من أشكال الحرمان السابقة بدرجات متفاوتة، وأن أعداد المهمشين والمحبطين والمحرومين تتزايد في المجتمع، ومن فئات ومناطق كان مستواها المادي والأدبي جيدًا في فترة سابقة مقارنة بوضعها الحالي، لكن ضغوط الواقع وارتفاع الأسعار وغياب الأمل والأمان المادي والمعنوي، ناهيك عن عدم وجود مشروع وطني كبير تلتف حوله الجماهير، زاد من شعورها بالاحتقان.

ورغم ذلك فإن حالات الغضب المصري -التي ظلت متوارية في الثقافة المصرية- بدأت تطفو على سطح الأحداث في السنوات الثلاث الأخيرة، فحركات الإضرابات العمالية والمهنية، وخروج بعض جماهير المناطق المهمشة والعشوائية إلى الشوارع احتجاجًا على العطش أو تعسف الشرطة أو غياب الخبز أو للمطالبة بتحسين الأجور، أصبحت مشهدًا موجودًا في الواقع المصري، لكنها ظلت حالات غضب فئوية أو جهوية أو مهنية.

فالحرمان وحده ليس كافيًا لإحداث الغضب؛ لأن الحرمان في مصر اقترن بدرجات متفاوتة من الكبت لهؤلاء المحرومين، وهو ما يؤكد أن الحرمان وتناقص القدرات وفجوات التوقعات قد لا تؤدي إلى تنمية الغضب، وذلك في ظل ثقافة ومنظومة قيم معينة توجد كوابح لهذا الغضب وتلجمه وتقوم بتفريغ شحناته.

وبالتالي فكمية الكبت والحرمان الموجودة لدى الشعوب مهما كانت -وخاصة مثل الشعب المصري- قد لا تكون كافية لإحداث التمرد والغضب؛ لأن المجتمع يحتفظ بمجموعة كوابح تحول دون حدوثه، فمنظومة القيم تقوم بتفريغ شحنات الغضب بشكل متواصل.

وهنا تلجأ الجماهير إلى إيجاد قيم قد تمجد الصمت والسكوت في مواجهة الظلم والاستبداد، وقيم تجعل العدل المنشود ليس له مكان إلا في الآخرة، وأن الإشباع هو إشباع الروح، وأن الأمل يُرجى من السماء ولا يُنشد في الأرض، وهنا تحدث انقلابية في بعض القيم عن مغزاها ومعناها الحقيقي؛ فمثلاً الصبر يكون على أذى الحاكم وطغيانه وليس الصبر في مسارات التغيير والجهاد والنضال، بل يتم مفهوم الصبر إلى مجال التحمل للأذى والاضطهاد والظلم، وبالتالي يتم استدعاء نصوص دينية تدعم هذا الأمر، وتحذر من عاقبة الخروج على الحاكم، ويتم استدعاء التاريخ وإعادة تفسيره للتدليل على صحة هذه القيم المقلوبة.

خبرة السلطة والمجتمع

الصحفي المصري محمد عبدالقدوس بالعلم والميكروفون

أما السلطة في مصر -على مدار تاريخها- فكانت منتبهة إلى تحويل شحنات الغضب الشعبي إلى فراغ وحالة من الغضب الداخلي، وحصر هذا الغضب في جهة أو مكان معين، وربطه بأطر مطلبية.. أي أن السلطة كانت تقوم بعملية حصار دائم للغضب للحيلولة دون تحويله إلى انفجار شامل يعيد تأسيس النظام من جديد بقيم جديدة ومختلفة عن النظام القائم.

وهنا كانت السلطة تحول دون تكوين وتحويل مشاعر الاحتقان والحرمان إلى ثقافة مصرية تطالب بالحقوق وتدفع الحرمان، فكان اللجوء المتكرر إلى منح بعض الوعود أو العطايا الجزئية لتفتيت الغضب وتكسيره، على اعتبار أن تجزئة المشكلة الكبرى إلى عدد من المشكلات الجزئية يسهل على السلطة محاصرتها والتعامل معها.

أما المجتمع المصري فقد أرشدته خبرة التاريخ ودروس الأيام القاسية أن المصريين عندما تمردوا وقرروا بعد طول صمت أن يثوروا أو يؤيدوا الثائر، انقلب الحلم إلى كابوس، وأصبح الأمل عبئًا ويأسًا، وأصبح الدرع الذي اتخذوه للأيام هو الدرع الذي يضيق على صدروهم، ولعل خبرة محمد علي باشا وبعضًا من المشهد الذي حملته ثورة يوليو 1952 أوضح مثال على ذلك.

ولم يكن بدًّا أمام المجتمع إلا تطوير ثقافته في التعبير عن غضبه، فابتكر المصريون أشكالاً من التمرد تختلف في شكلها وجدواها عن الشعوب الأخرى، فتمردوا بالابتسامة والنكتة.. وكانت النكتة بقدر ما تضحك على الحاكم المستبد تنزع عنه الشرعية وتسخر منه، وتمردوا بالأغنية السياسية، وتمردوا بالأدب والشعر، وتمردوا بالسلبية وتجاهل السلطة.. بل إن المتابع لتاريخ السجون في مصر سيجد أنها لم تخلُ يومًا من المئات بل الآلاف من أشخاص معارضين للسلطة ورافضين لها، فوصل في بعض الفترات إلى 30 ألفًا وزاد إلى أضعاف ذلك، وهو ما يمكن أن نعتبره نوعًا من عدم الصمت على الاستبداد والحرمان، كما رسم البعض صورته الذهنية عن المصريين.

ثقافة الشرعية.. والترضية

يلاحظ في مصر دائمًا أن الناس تميل إلى أن الحاكم -مهما كان ظلمه وفساده- يتمتع بنوع من الشرعية، وأن أي تمرد ضده -مهما كانت عدالته- هو نوع من الخروج على الشرعية؛ ولذا كانت السلطة منتبهة دائمًا إلى محاولة الإمساك الدائم بعصا الشرعية وإشهارها في وجه المخالفين معها، بل إن شرعية الحاكم نفسها -المترسخة في النفوس- كانت تقوم بدور الرادع والملجم لأي تفكير في التمرد والعصيان والغضب العنيف، أو تجعل الغضب يقف عند حدود معينة، سواء في حيز الواقع أو حيز النفس، ومن هنا كان سقف التغيير منخفضًا للغاية في تفكير الثوار والغاضبين في مصر ويقتصر على الحصول على الترضية.

ويبدو أن هذا الموقف أدى إلى إيجاد قدرة للحاكم على ابتلاع الدولة والمجتمع، وكانت الوسيلة المثلى في الكثير من الأحيان هي اللجوء إلى استخدام القوة والعنف لتحقيق هذا الابتلاع، وكان بث الرعب في نفوس الشعب هو الأساس لتحقيق السلم الاجتماعي، من وجهة نظر السلطة، فكان اللجوء إلى العقاب العنيف والمبالغ فيه أشبه بثقافة سلطوية ممتدة.

ومن هنا قد نفهم لماذا يقوم بعض الأفراد والمسئولين في الجهاز الأمني بعمليات تعذيب وعقاب عنيف قد يؤدي إلى موت المواطنين على أخطاء يمكن للقانون أن يعالجها، فجذور هذه الثقافة السلطوية لدى الجهاز الأمني تعود إلى الفراعنة الذين يوجد عندهم تلازم بين الاستبداد والعنف، حتى إن الأفعى السامة "أوريس" كانت ترقد ملتفة حول جبهة الفرعون، والنصيحة الفرعونية القديمة المكتوبة على ورق البردي تقول للفرعون: "إذا نمت عليك أن ترقب بنفسك قلوبهم"، وهو ما رسخ من خلال الممارسة أن المواطن الصالح هو المواطن المطيع أو "عبد المأمور"، أي "عبد العبد"، فالجميع خاضع للآمر الأكبر وهو الحاكم أو الفرعون الإله؛ ولذا انعدمت البدائل أمام المجتمع -من وجهة نظر السلطة- إلا من الخضوع الكامل غير المشروط.

هذه الحالة التي سعت السلطة لترسيخها أوجدت مجموعة من الثقافات الفرعية السلبية، منها: تملق السلطة، واللجوء المتكرر من السلطة إلى الدين في أزماتها، وثقافة الانكسار التي أفرزت مجموعة من الأمثال السلبية مثل "الحيطان لها آذان"، كما أن اختفاء الحرية لا بد أن يؤدي إلى اختفاء العقل؛ لأن وظيفة العقل الاسترشاد، وإذا كان الحاكم هو الذي يفكر للشعب فلماذا يستخدم الشعب عقله!.


مدير تحرير نطاق "ثقافة وفن" في شبكة إسلام أون لاين.




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."