تمطر الآن على الرياض .. مطرٌ تسقط حباته على الشوارع .. يسيل من جدران البيوت والمباني المتطاولة .. فيغسلها ويطهرها من سوءاتها بشفافية تمكنني من تأملها دون أن يعكر نظري غبار متراكم على حيطانها ..
غالباً ما أسارع إلى سطح بيتنا حين أسمع حباته تطرق على نافذة غرفتي وكأنها تناديني للصعود .. أهرول مسرعةً وأترك ما بيدي وصيحات أمي تتعالى خلفي .. ( ترى يا نبض بتتعبين ) .. وفي كل مرةٍ أمضي .. وفي كل مرةٍ يصدق حدسها .. لكنه ليس بيدي فأحلامي كثيرةٌ وذنوبي أكثر .. أحتاج أن أغتسل .. أن أتطهر من أدرانٍ رانت على قلبي .. أحتاج إلى فرحٍ يرتق روحي الممزقة .. أحتاج إلى ابتهالاتٍ ترتفع إلى سماءٍ تشرع أبوابها هذه اللحظة .. أرفع رأسي عالياً .. أتأمل بياضاً يتعانق ليشكل غيمةً تحتضن روحي المحلقة حيث تغفو أرواحٌ حلقت هناك ولم تعد !! لتتساقط حباته الإلهية على وجهي مختلطةً بدمعي الذي بات يهل لأي شيء .. فرحٌ و ما سواه .. وصرخات الصغار من حولي تعلو .. وأدعية الكبار ترتفع إلى السماء ..
لكن هذه الليلة .. المكان يعج بالفراغ .. يحيط بي سكونٌ هائل وهدوءٌ عجيب .. تنخر الريح عبابه بأبواق سياراتٍ من شوارع بعيدة .. و أنا أقف تحته وحدي .. تبللني حباته من رأسي إلى أخمص قدمي لتحييني من جديد .. بي رغبةٌ للصراخ الذي سيحمله الصدى إلى أبعد مما قد أتخيل .. أن أطلق صرخةً واحدة أعلم أنها ستنفعني كثيراً لأخرس حيرةً تدندن على عقلي مذ ليالٍ طوال .. لأزلزل أركان ذاكرتي .. وأهز عرش أحزاني التي حكمت على قلبي ذات ظلم بشقاء مؤبد ..لكني عاجزةٌ عن ذلك .. فالظروف ليست مواتية لأمارس جنوني كما كانت قبلاً .. حين اختلط صراخي بصراخ الصغار من حولي .. ففي النهاية كنت أظهر لهم كطفلةٍ تلاعب صغاراً من حولها .. يستغربون لعب الكبار لكنهم يحبونه ويتمنونه كما كنت أتمناه قبلاً .. فأكسب أمرين إخفاء جنوني ومحاولة إنصاف روحي في عالمٍ لا أكون فيه كما أحب وأرغب ..
وفي كل مرةٍ أغص بذات السؤال ... إلى متى ؟!! إلى متى ؟!!! لماذا أنتظر لأكون كما أحب ؟؟ ولماذا أقبل ما لا أقتنع به على مضض ؟؟ ولماذا أخاف من أن أظهر رغباتي على الملأ فأخبأها بداخلي لئلا توأد بفعل الـ " عيب " .. " ما تعودنا " .. وهلم جرا ؟؟ لماذا أخونني معهم في ذات اللحظة التي أحتاج أن أكون فيها مخلصةً لرغباتي .. لحقي .. لي ؟؟ لتقف على طرف شفتيّ وقد عزمت أن تمضي وتخرج فيمسك الصمت بها ويخبأها بداخل أعماقي على أملٍ أنها يوماً ما ستخرج .. لكنها هرمت وبعضها مات ولم يتحقق !!
بت أكره النظر إلى المرآة .. حيث تنعكس الحقيقة عارية بلا مبررات ومسوغات .. بلا أقنعة تخفي تفاصيل ملامحي التي ما عدت أذكرها .. ما عدت أعرفها !! لأرى " نبض " المغيبة بداخل نبض أخرى .. تقول ما لا تفعل .. وتدعي ما لا ترتضيه .. تدفن رغباتها لتجاري عقولاً لا تجاري جنونها أو بعضه .. تنصف الآخرين على أمل أن تنصف ذاتها .. تعيش تنتظر غداً قد يتغير أو يغيرها لتعلن بعض جنونها وتمارس رغباتها دون أن تصطدم بجدار الخوف .. لكن تتعثر بذات السؤال .. متى ؟!!!!!!
سؤالٌ أو أسئلةٌ تتفلت مني إجاباتها لتعانق رائحة الثرى النديّ الذي يملأ المكان .. والسماء تسكب مطرها ولازلت أبحث عن ذاتي الضائعة ولا أجدها ............
الرابعة فجراً ذات أرق ..
لذائقتكم .. ترنيمة حزن من وحي المطر،،
آخر النبض :
سأترك الباب موارباً لخطوكم .. لا لشيء سوى أني أخاف أن أعتاد إغلاقه حتى هنا ..