المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
التربية الديموقراطية!

 

في إحدى الولايات الأمريكية تم طرد معلم لأنه اختار مسرحية ليلعبها الطلاب أثارت اعتراضات لدى بعض أفراد المجتمع. عقد أنصار الطرد مؤتمرا صحفيا للدفاع عن وجهة نظرهم، وعقد معارضو الطرد مؤتمرا صحفيا للدفاع عن وجهة نظرهم كذلك. في كل من المؤتمرين ناقش المؤتمرون دوافع الطرف الاخر، وادعوا أنهم يخدمون مصالح الطلاب!!!

 

هل كان قرار طرد المعلم قرارا ديموقراطيا؟! لا أظنّ! هل كان المؤتمر الذي عقده كل من الطرفين حول الطرد إجراء ديموقراطيا؟ بكل تأكيد!

ترى لو طبقنا قرار طرد المعلم على كل القضايا التي تثير لغطا هل يمكن أن نحصل على مجتمع ديموقراطي؟!!

ماذا لو طبقناه على شخص كالبابا مثلا أثارت أقواله لغطا هائلا واعتبرت مسيئة للمسلمين؟

ربما لم يثر لغط حول مفهوم في التاريخ كذلك الذي يثار الان حول مفهوم الديموقراطية! فالبعض ينظر إليها بريبة وتشكك ويعتبرها خدعة تمارسها علينا الدول الأقوى لتحقيق مصالحها وإملاء سياساتها، والبعض الاخر ينظر إليها باعتبارها بدعة وردت إلينا من الكفرة والوثنيين، وفريق ثالث يعتبرها موضة ما تلبث أن تنقشع، أما البقية فينظرون إليها باعتبارها المهدي المنتظر الذي يناط به حل كل مشاكلنا ونقلنا من التخلف إلى الإبداع، ومن الفوضى إلى النظام، ومن التبعية إلى السيادة!!!

 

والحقيقة هي أن الديموقراطية ليست أيا من ذلك، وإن كان فيها شيء من كل ذلك!!

ومع أن الديموقراطية ليست وصفة سحرية لحل المشاكل، إلا أنها الخطوة الأولى على ذلك الطريق، وفإن لم نخطها في دول ما يسمى بالعالم الثالث، فإننا لن نسير هذا الطريق على الإطلاق!

 

من هنا، فإنني أنتمي إلى طائفة لا تنظر إلى الديموقراطية باعتبارها فرضا أو موضة أو بدعة أو ترياقا، وإنما باعتبارها تحديا وفرصة يجب أن لا تضيع!! وكما أن لكل عصر تحدياته وسماته ومعالمه، فإننا نهفو إلى أن نعتبر الديموقراطية تحدي هذا العصر!

 

وكما كان القرن التاسع عشر قرن النهضة الصناعية، والقرن العشرين قرن النهضة التكنولوجية والثورة الرقمية والاتصالاتية، فإن التحدي الكبير المطروح أمامنا في المنطقة هو أن نجعل القرن الحادي والعشرين قرن الديموقراطية بدل أن يكون قرن الدويلات المذهبية والطائفية والعرقية وقرن إنشاء الدول الجديدة وهدم الدول القديمة!!

 

والسؤال الهام في هذه المرحلة لا يجب أن يكون : هل نتبنى الديموقراطية؟! بل كيف ننشرها قيما وفكرا وممارسة في البيت والمدرسة والنادي ومؤسسات المجتمع المدني والنظام السياسي والدولة ككل؟!

 

ولأن العالم يتغير من حولنا بسرعة مذهلة، ولأن الفرد في موقعه أصبح عرضة لغزو كل التيارات المتناقضة، ولأن المدرسة دائما وأبدا هي محور التغيير وأداته في أي مجتمع، فقد تضاعفت مسؤولية المدرسة الآن والنظام التعليمي بمجمله، واتسعت لتتحمل عبء إعداد الفرد لمواجهة تحديات الألفية الثالثة عبر المرونة والانفتاح على الرأي الآخر والقدرة على ممارسة التفكير الناقد واحترام الذات والآخرين ونحمل وجهات النظر المعارضة حتى لو كانت تعبر عن أقلية، والتفاوض في الأزمات لإيجاد حلول عادلة ترضي الجميع وتؤمن الحقوق لكافة الأطراف، وتلك هي مبادئ الديموقراطية!!!

 

ومن ثم، وإن كنا نريد حقا بناء مجتمعات ديموقراطية، فإن الجهد لا يجب أن يبقى محصورا في وزراة التنمية السياسية، بل يتخطاه إلى وزارتي التربية والتعليم العالي ووزارة الأوقاف، وربما أيضا وزراة الشؤون الاجتماعية.

 

علينا أن نسعى إلى إحداث هذا التغيير في المنظومة القيمية وأساليب التفكير لدى الأطفال والشباب قبل الرجال والشيوخ، وعلينا تشجيع إبداع الحلول الجديدة لمشاكلنا الحياتية اليومية بمرونة وانفتاح دون تشبث بالماضي لمجرد أنه ماض، وعلى مؤسساتنا التربوية والدينية والاجتماعية إعداد الطلاب ليكونوا مواطنين ديموقراطيين منذ المرحلة الابتدائية وحتى الجامعة فالعمل.

 

إن الطلاب في صفوفنا، عند مغادرتهم حجرة الصف، سيواجهون مجتمعا غاية في التعقيد والتباين، ولذلك، يجب أن نعدهم في المدرسة لمواجهة هذا التعقيد البيئي والثقافي والاجتماعي والعلمي.

 

يقول جون ديوي: " مع كل جيل، يجب أن تولد الديموقراطية من جديد، والتعليم هو القابلة القانونية".

 

ويقول ماركس: " إن التاريخ متحرك، وهو ينمو، تماما كالإنسان، وأن كل مرحلة تاريخية تتضمن في ثناياها تناقضات تؤهل للإطاحة بها واستبدالها بنظام أفضل، وهكذا دواليك، حتى نصل إلى المجتمع المثالي".  وإن كان المجتمع المثالي لدى ماركس هو الاشتراكية، فإن المجتمع المثالي ينبغي أن يكون الديموقراطية!

 

ومع أن ساندرا فيلدمان رئيسة " AFT" تقول: إن الدراما المحورية في العصر الحديث هي النضال من أجل تأسيس القيم الديموقراطية والحفاظ عليها وتوسيعها لتشمل الكرة الأرضية بأكملها، وأن هذه القيم لا تأتي بشكل طبيعي أو فطري، وإنما يجب أن يتم تعليمها وتعلمها وممارستها"، إلا أنني أختلف مع هذا التوجه وأزعم أن بحث الإنسان عن الديموقراطية قديم قدم الأزل، تماما كبحثه عن الله!!

 

ويمكن تتبع جذور ذلك البحث عبر نظم القبائل البدائية، فالانسان منذ أقدم العصور بحث عن طرق ديموقراطية لإدارة شؤون حياته، إن كان بواسطة اختيار شيخ القبيلة ليتخذ القرارات بالنيابة عن أفرادها، باعتباره محط ثقتهم، أو من خلال اجتماع الشعب بأكمله للتصويت على قضاياه في ساحة واحدة، كما كان يحدث أيام الإغريق والرومان.

 

من الشكلين المذكورين يتبلور لنا نمطان من الديموقراطية، هما ما نسميه اليوم الديموقراطية التمثيلية والديموقراطية المباشرة.

 

نعم! المجتمعات الإنسانية تنمو وتتطور! لأن الفكر الإنساني ينمو ويتطور، وينتقل من البدائية إلى التمدن، ومن التقليدية إلى الحداثة. ولأن الفكر الإنساني ينمو ويتطور فإن الأشكال والصيغ التي يبدعها لتحقيق القيم السابقة عبر النظام الاجتماعي تنمو وتتطور بدورها، حتى تصل إلأى الشكل المثالي الذي تتجلي فيه تلك القيم بأبهى صورها، وهو ما نعتقد أنه النظام الديموقراطي!

 

قد يختلف معي في الطرح هنا أحد أنصار الداروينية أو ما يمسى بالبيولوجيا الاجتماعية قائلا: إن هذه الرومانسية تتعارض مع قوانين الطبيعة ومبادئ النشوء والتطور وشريعة الغاب وقانون البقاء للأصلح!!

 

كما قد يختلف معي أحد أنصار الفرويدية او السيكودينامية قائلا: إن هذه الرومانسية المثالية تتناقض كذلك مع حقيقة أن الإنسان أناني ومدفوع غريزيا لإشباع حاجاته ورغباته، بغض النظر عن توافقها مع المجموع!!

 

وسأرد عليهما قائلة: إن نظريات علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي تدلل في معظمها على أن الإنسان كائن اجتماعي مدفوع بالفطرة إلى البحث عن الجماعة ليستظل بظلها وينال الأمن ويوفر احتياجاته. وفي ظل البحث عن المجموعة فإن أي نظام اجتماعي محكوم عليه بالفشل، حتى وإن ساد زمنا، إن لم يكن نظاما ديموقراطيا قائما على احترام كرامة الإنسان وحرياته، ملتزما بمنح حقوق متساوية لأعضائه، محققا للعدالة والمساواة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومحافظا على سيادة القانون والنظام، مكرسا قيم المسؤولية الشخصية والجماعية، وقيم الصدق والتحمل واستيعاب الآخرين والتعاون وضبط الذات واحترام الذات والاخر!! وعلى نظمنا السياسية في الأردن والعالم العربي أن توجه إلى نفسها تلك الأسئلة وتمنح نفسها درجات على تلك المعايير إن كانت تريد التنبؤ بسنوات بقائها في الحكم!!!

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."