محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
ليس جهلا!!!
البابا بنديكتوس السادس عشر ليس جاهلا ليتفوه بما تفوه به في محاضرته تلك في إحدى الجامعات بجنوب ألمانيا بعفوية أو تحت شعار لا حياء في العلم أو لا حياء في الدين!!!!
البابا عالم متخصص في الديانات وفلسفة " اللاهوت"، وقد كان مسؤولا عن شؤون العقيدة، وكلنا يعلم أن أولئك الكهنة في الفاتيكان يكرسون حياتهم للعلم ودراسة الأديان كافة، ومن ثم فإن آراءه ليست صادرة عن شخص هاو أو محدث علم!!!
أي شخص في موقع أصغر بكثير من البابا لم يكن ليجرؤ على انتقاد أي ديانة بتلك الطريقة القاسية حتى لو كان يؤمن بما قاله، لأن بديهيات المركز السياسي أو الديني تمنع صاحبه من التعبير عن أفكاره بحرية، خاصة إن كانت تلك الأفكار يمكن أن تتسبب في أزمات أو ما هو أسوأ!!!
ما قاله البابا إذا لا يمكن أن يكون عفويا، وإنما هو مدروس بعناية ولغايات وأهداف يبدو أنها بدأت تتبلور بوضوح عند وضع كافة القطع المتناثرة في اللعبة السياسية- الدينية القائمة حاليا في العالم والساعية إلى تحقيق نبوءة هنتنجتون صراع الحضارات!!
سبق وأن ذكرت في مقال قديم أن هنتجتون لم يكن يتنبأ، بقدر ما كان ينقل الخطط التي يتم طبخها في مطبخ السياسة الخارجية الأمريكية بحكم موقعه في ذلك الزمن، ولذلك فإن مجريات الأحداث اليوم ليست تحقيقا لنبوؤته في واقع الحال، بقدر ما هي تحقيق لأهداف الخطة المرسومة من قبل الإدارات الأمريكية التي تسعى إلى شن حروب على العالم للقضاء على الحضارات غير المسيحية ومسح الإسلام – بالأخص - من على الخارطة الجغرافية والسياسية والبشرية!!
سيناريو الحرب العالمية الثالثة أو الهيمنة المطلقة على الكرة الأرضية الذي كنا نعتقد أنه مخطط أمريكي بحت، تبين الآن وبوضوح أنه مخطط فاتيكاني- أمريكي، لا يلعب فيه الفاتيكان دور التابع، بل دور المحرض، فتصريحات البابا تلك موجهة إلى مليارات المسيحيين ربما لإيقاظ أحقاد دفينة على الإسلام والمسلمين كنا ظننا أن الغرب قد تعافى منها، أو لتوليد أحقاد جديدة نحن في غنى عنها، فالبابا الذي يحكم باعتباره نائب الله على الأرض كلماته مقدسة وآراؤه تلقى احترام المسيحيين بمختلف طوائفهم في كل الأرض، وسلطته ليست دينية أو روحية فقط بل هي سلطة سياسية في الوقت ذاته، ونظرة واحدة إلى الملايين الذين كانوا يتجمعون لحضور لقاءات البابا السابق أو حتى الحالي كفيلة بإعطاء صورة عن حجم تأثيره في الشعوب المسيحية وقيادات العالم المسيحي!!
كلمات البابا إلى جوار حروب بوش وبلير وزبانيتهما في البيت الأبيض و10 داوننغ ستريت وما وصفه بوش بحرب صليبية على المسلمين، ومن أسماهم مؤخرا المسلمين الفاشيين، بالإضافة إلى الرسوم المسيئة للرسول وغيرها من حملات التشويه عبر وسائل الإعلام الغربية لصورة الإسلام والمسلمين كل ذلك لا يمكن أن يكون مصادفة، بل هو جزء من خطة مرسومة تسعى إلى إثارة الأحقاد والنعرات الدينية بين شعوب الأرض تمهيدا لسيناريو يوم القيامة الديني الذي يؤمن به الفاتيكان كما تؤمن به الإدارة الأمريكية الحالية المنتمية إلى اليمين المسيحي المتصهين المتطرف!!
وسواء كان أسامة بن لادن وتنظيمه القاعدة إنتاجا أمريكيا أم لم يكن، فإنه بالمحصلة رد فعل على تلك السياسات التي لم تكتف بممارسة الهيمنة السياسية، بل تخطتها إلى ممارسة حرب دينية فعلية لا يشنها المسلمون ضد الغرب كما تصورهم وسائل الإعلام الغربية، بل يشنها الغرب على المسلمين، ويرد المسلمون وفق طاقتهم على الرد وبالوسائل المتاحة لهم!!!
تصريحات البابا تصب في إطار خدمة التحالف الجديد بين الفاتيكان والولايات المتحدة الأمريكية ليس لخلق شرق أوسط جديد، بل لإعادة صياغة العالم وفق نبوءات الكتاب المقدس توطئة لعودة المسيح المنتظر الذي تؤمن تلك الطوائف بمسؤوليتها عن تسهيل تلك العودة!!
العرب والمسلمون منذ عقود يحاولون الدفاع عن صورة الإسلام عبر شعارات عدة منها ما حمله سمو الأمير الحسن حول حوار الأديان، ومنها ما حمله جلالة الملك عبد الله الثاني في رسالة عمان، ولكن الواقع اليوم يجعلنا نفيق على واقع مر أننا لسنا الطرف المحتاج لتلك التوعية ولتلك الحملات لأننا حقيقة لسنا مصدر الفعل، بل رد الفعل، ومن ثم ، فإن الجهة التي تحتاج تلك الحملات بالفعل هي الغرب وساسته المتطرفون الذين يزدادون تطرفا !
لم يحدث أبدا أن أساء أي من علماء الإسلام إلى أي من الديانات السماوية الأخرى لا اليوم ولا أمس، ولن يحدث ذلك غدا، فكيف يدعي الغرب أن المسلمين متعصبون وأنهم لا يقبلون التعايش مع الأديان، في حين أن إساءة كتلك التي وجهها البابا لم يسبق وأن صدرت عن أي عالم مسلم أو فقيه في مرتبة صغرى أو عليا!!!
إذا كان رأس السلطة الدينية في الغرب يتهم الإسلام ونبيه بكل تلك الأوصاف علنا وعلى رؤوس الأشهاد، وهو ما لم يفعله سوى بابا واحد فقط في القرن الثالث عشر الميلادي وتبعته الحروب الصليبية، فكيف لنا أن لا نستشعر حربا صليبية جديدة على الشرق، وهل يمكن أن تصب تلك التصريحات إلا في إطار صب الزيت على النار لإشعال المنطقة وإثارة ردود أفعال المسلمين لخلق آلاف البن لادنات الذين بصدامهم مع البوشات الصغار سيضعون العالم على حافة الهاوية؟!
على البابا أن يبادر إلى الاعتذار، قبل أن تتفاقم الأمور، وقد بدأت عواقب تصريحاته تظهر بالفعل في الأعمال التخريبية الموجهة ضد الكنائس في الشرق وفي المظاهرات الاحتجاجية التي عمت بلاد المسلمين!!
|