محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
في وداع مجلس الأمة!
جمعني لقاء مع مسؤول بارز تحدثنا فيه عن الهموم المحلية والإقليمية والعالمية.
اشتكى المسؤول من موقف البرلمان إزاء حزمة القوانين المتعلقة بالتنمية السياسية من مثل قوانين الأحزاب والبلديات والمطبوعات والنشر، واعتبر أن تأخير مناقشة تلك القوانين في الدورة الاستثنائية وتأجيلها إلى الدورة العادية القادمة لا يرجع فقط إلى عنصر الزمن، بل إلى عناصر أخرى تتعلق برغبة بعض القادة داخل مجلس النواب في العودة إلى قواعدهم دون تلك القوانين والمحافظة على مكاسبهم الحالية. ودلل المسؤول على ذلك بتقديم النواب بعض القوانين التي لا تحظى بصفة الاستعجال على تلك القوانين الهامة التي يفترض أن تحدث حالة من الحراك النسبي في المجتمع، وتغيير أولويات مناقشة القوانين عن الأولويات التي قدمتها بها الحكومة.
وإن كان أداء مجلس النواب لم يرض أحدا خلال الأعوام المنصرمة، إلى حد أن جلالة الملك ذاته قد اشتكى من ذلك الأداء، فإن أداء المجلس في هذه الدورة الاستثنائية لم يختلف عن أدائه السابق، ولم يرض لا الشعب ولا الحكومة!!
قانون مكافحة الإرهاب مثلا مر بسرعة قياسية مع أنه ليس أولوية وطنية، حتى وإن كان أولوية حكومية حسب ترتيب تقديمه، ولم يسمح رئيس المجلس للنواب بمناقشته بشكل كاف لإدخال بعض التعديلات الضرورية التي تحد من تداعياته السلبية، في حين استغرق قانون الوعظ والإرشاد زمنا أطول في مناقشته، مع أن تلك المناقشة كان يمكن تأجيلها إلى الدورة العادية باعتبار القانون ليس أولوية ملحة، وكذلك الحال مع قانون الشركات وقوانين أخرى منحها المجلس أولوية في النقاش والتمرير، مع أنها كان يمكن أن تتأجل دونما ضرر يلحق بأي جهة!
في المقابل، فإن قوانين التنمية السياسية وبالأخص الأحزاب والبلديات تعد عنصرا هاما في دفع الحراك السياسي داخل المجتمع، خاصة وأن الأحزاب ستلقى دعما ماليا من الدولة حسب القانون الجديد وسترفع كل المحظورات المستقرة في اللاوعي الجماهيري حول العمل الحزبي فلا يطارد الحزبي في رزقه أو رزق عياله ولا يتحول إلى ضيف دائم على الأجهزة الأمنية، ويتاح للأحزاب استخدام التلفزيون الحكومي للترويج لها، وغير ذلك من محفزات لم تتوفر للأردنيين سابقا للالتحاق بالأحزاب وتكوينها، خاصة وأن رجل الشارع العادي ما زال مع الأسف يعتبر العمل الحزبي خيانة للوطن والنظام بسبب تراكمات سابقة.
قانون البلديات أيضا يتضمن إضافة تقدمية هامة تتعلق بمنح مقاعد للمرأة بنظام الكوتا لتشجيع انتخابها لمواقع الخدمة العامة. ومع أن البعض لا يؤمن بفكرة الكوتا باعتبارها نوعا من التمييز الذي يمكن أن يدعم الأقليات المضطهدة أو مغبونة الحقوق، وليس المرأة التي لا يمكن وصفها بأنها أقلية حتى وإن كانت حقوقها منقوصة في بعض المجالات، إلا أن الواقع الاجتماعي يحتم قبول مبدأ الكوتا بشكل مؤقت إلى حين إحداث التغيير المجتمعي المطلوب، ومن ثم العودة إلى نظام طبيعي دون أي محاصصات!!
الكثير من السادة النواب لا يريد للمرأة أن تنافس على المواقع البلدية التي يعتبرونها امتيازا ذكوريا، ويتحدون الحكومة كما يتحدون الناشطات في مجالات الخدمة الاجتماعية والسياسية بالعبارة التالية: " لتثبت النساء أنفسهن كي يتم انتخابهن بجدارة وليس بناء على المحاصصة"! ومع أن التحدي منطقي إلا أن الواقع يقول إننا لو أردنا انتظار حدوث تغير اجتماعي يشجع أفراد المجتمع على انتخاب المرأة لانتظرنا مئات السنين لأن التغيير آلاتي من القاعدة إلى القمة يستغرق زمنا طويلا جدا ويتطلب منظومات مركبة من التفاعلات المعقدة والبطيئة، في حين أن صورة الأردن الحديث التي نقدمها للعالم والتي ننال بموجبها المساعدات الاقتصادية من الدول المانحة لا تتحمل مثل ذلك البطء والتأخير لأنها تعوق ما نبنيه، ومن ثم فإن التغيير من الأعلى إلى الأسفل يعد في هذا الأمر ضرورة ملحة لإحداث الأثر المنشود على أن يصاحبه في الوقت ذاته حملات توعوية على مستوى القاعدة تتضافر في محصلتها مع التغيير المفروض من أعلى الهرم الاجتماعي والسياسي!!
السادة النواب غاب عنهم أيضا المؤشرات الدالة على أن المرأة عادة ما تكون أقل فسادا من الرجل في المواقع الحكومية وغير الحكومية بحكم تركيبها الاجتماعي الميال للانضباط والالتزام بالقوانين، كما أنها أكثر نشاطا في ميادين الخدمة العامة وأكثر كفاءة في الأعمال التي تتطلب تنظيما ومثابرة ومتابعة للتفاصيل، ومن ثم فإن تطعيم المواقع البلدية بالعنصر النسائي سيكون له أثر هام في تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين وتقليل الهدر العام في أموال البلديات وتوجيهها في الاتجاهات السليمة، خاصة وأن المرأة كما هو معروف ستكون أقل تعرضا للضغوط الاجتماعية من مثل الواسطة، فالرجل "يمون" على رجل في مجتمعنا ولكنه لن يتجرأ على الحديث عنها مع امرأة! كما أن ظاهرة الإعلانات البلدية الموجهة للنفاق الاجتماعي قد تقل عند دخول النساء إلى مواقع القيادة لأن حسابات المرأة السياسية والاجتماعية تختلف عن الرجل!
أما قانونا المطبوعات والنشر وحرية الوصول إلى المعلومات والمحسوبان على حزمة قوانين التنمية السياسية فإنهما ما زالا يفتقدان إلى صياغة مرضية كما قدمتهما الحكومة، وهما لذلك يتطلبان جلسات طويلة من النقاش والتعديل وصولا إلى مواد ترضي العاملين في الميادين الإعلامية وتحسن من مؤشرات الحريات لدينا التي انخفضت خلال العام الأخير، ومن ثم فإن تأخيرهما كان موفقا شريطة أن يمارس المجلس أداء رفيعا في الدورة القادمة يحملنا على تغيير الصورة السلبية التي ارتسمت عنه!
الدورة الحالية انطوت بخيرها وشرها، ولا نفع من "التعديد" على الميت، ولكن الدورة القادمة في ديسمبر على الأبواب وننتظر منها الكثير، وكل الأمل أن يحسن المجلس خاتمته بما أن مقدمته ووسطه لم يكونا بالمستوى المطلوب!!
|