المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
محمد حسنين هيكل ... في الوقت الضائع

   لم يعد خافياً ان شعوبنا العربية ما زالت تعاني من ضبابية الفكر و الثقافة .. و مجهولية الانتماء و الهوية وان بيتنا الثقافي مازال يجتر ما أنتجته المدارس الفكرية و السياسية البالية اجترار البهائم  لتلوكها قنواتنا الفضائية بعناية شديدة لتعيد بصقها على مائدتنا الفكرية و كأنها تريد ان تمضي بنا الى انحدار اخر شديد الانكسار .. حيث لا نجني من طرح هذه الافكار سوى اعادة اذكاء النزاعات و التناحرات  بين تيارات فكرية و أنظمة سياسية متناحرة ساهم كلٌ منها بقسطٍ  وافرٍ في انتكاساتنا و مصائبنا المتعددة الوجوه ..

أتابع باستمار ما تبثه  الجزيرة  لـ (محمد حسنين هيكل)  يشدني اليها كم المعلومات و الوثائق التي تثري  محفظتي المعلوماتية  فـ(هيكل) جامع عظيم للوثائق و محلل رائع  . و في اعتقادي المتواضع ان ما يعيب هذا الرجل هو طريقته في ترتيب المعلومات و توضيفها توضيفاً يخدم في النهاية فكرا معيناً كما أنه لا يتعامل بحيادية مع كل المعطيات المتوفرة بين يديه .. يساعد على  ذلك أن القاء نظرة فاحصة على التاريخ بعد عقود طويلة من الزمن يُسهل علينا تطويع الحقائق وفق أهوائنا مع ان الأهم و الاكثر خطورة إذا ما أردنا الاستفادة من عـِبر التاريخ  وعظاتهِ ليس توضيفه للدفاع عن اخطائنا بل محاسبة أنفسنا اولاً  عما اقترفناه من هفوات مميتة .. للوهلة الاولى هو يبدو كذلك .. و يدعي ذلك بين الفينةِ و الفينة و يحرص على تأكيده كلما سنحت الفرصة ولكن المحصلة النهائية لكل محاولاته هو تبرير الاخطاء أو جعلها قابلة للتفهم و الغفران .

من المستحيل طبعا التقوف عند جميع مفاصل الحديث و ليس من الوارد النقاش في صدقية المعلومة أو تفسيرها ولكن ما شد انتباهي كرجل عاش فترة السبيعينيات صبياً هو اني لأول لمرةٍ اصادف رجلا من رجالات العصر الناصري الذي صنع تاريخ العرب في جولات الصراع أواسط القرن الماضي حيث أننا  مازلنا ندفع ثمنا باهضا لكل اخطائه برغم العقود التي انقضت.. و لازالت صورة ذلك الرجل معلقة في بعض منازلنا ...

قبل ان اتابع هيكل كنت اظن ان مصر الناصرية تنظر لمصالح الأمة العربية على انها مصالح مصر الاساسية و لا اعتقد اني وحيدا في هذا الاعتقاد بل أمة بكاملها  نحت ذلك المنحى وأصبحت مصر هي الأخت الكبرى بل ان الناصريين ذاتهم يتحدثون عن ذلك .. الا اني و من خلال متابعتي اكتشفت ان (هيكل) عندما يتحدث عن استراتجية الامن القومي  فأنه لا يقصد الامن القومي العربي بل يقصد الامن القومي المصري ( الوطني) و ان استخدام مفردة القومي لا يعني الا أحد أمرين .. إما أن هيكل و الحركة الناصرية كانت تعتبر الانتماء المصري انتماء قوميا يختلف عن الانتماء العربي  وما الوجود العربي الا مجالا حيوياً للنفوذ المصري .. أو يمثل القوى الناعمة لمصر  أو أن هيكل  يستخدم ذلك للتورية و خلط الوطني بالقومي .. لقد تحدث هيكل في إحدى حلقاته عن رؤيته بما يتعلق بانموذج العلاقة باثيوبيا و ايران  و في كلا الحالتين كان يدوس على مصالح الشعب الصومالي  و العراقي مقابل الحصول على حليف استراتيجي لمصر في منطقة تدخل ضمن دوائر الامن ( القومي ) لمصر الذي كان قد رسمها عبدالناصر  فهو لا يرى  مبررا للخلاف مع اثيوبيا بشأن الصومال !!!!  و لا يرى من داعٍ للخلاف مع طهران و هو مستعد لتفهم نفوذها التاريخي في العراق  و قواها الناعمة  هناك بل ويطالب العرب بتفهم ذلك !!! وليذهب العرب في العراق و الصومال  الى الجحيم فهم على ما يبدو لا يعنون هيكل في حساباته الاستراتجية ..

ان ما يحاول هيكل طرحه في سرد الوثائق و الاحداث هو محاولة للدفاع عن سياسات و توجهات معينة و ايجاد المبررات لكل الهفوات باسلوب عقلاني مغري .. ولكني اتسائل  ...

هل نحن بحاجة فعلا لـ(هيكل) و وثائقه لندرك حجم المؤامرة و التأمر على مصالحنا ؟؟؟

هل اننا كشعب عربي بحاجة الى وثائق (هيكل) كي نعرف اعدائنا ؟؟

هل نحن بحاجة الى وثائق (هيكل) كي نعرف مدى تفريط بعض الحكام العرب بحقوقنا  و اللامسؤولية التي كانوا عليها في الظروف الحالكة ؟؟

 

الجواب كلا ..

 

ما نحن بحاجة اليه هو ان نقف على اسباب هزيمتنا الحقيقة .. لا مبررات الهزيمة .. ان نعرف كيف ساعدنا نحن على هزيمتنا ... و ليس ما فعل الاخرون كي يهزموننا فذلك معروف جدا ..

 

اذا كان النظام الناصري من اكثر الانظمة شرعية من حيث القبول الشعبي و التأييد العارم  و اذا كان النظام الناصري من اكثر الانظمة وطنية ... و من اكثرها تفاعلا مع القضايا القومية العربية على الاقل وفق ما يتطابق مع الامن ( القومي ) المصري فان ذلك لم يجنبه ان يذوق طعم الانكسار و الهزيمة و يذيقنا معه الكأس ذاته .. وهنا هو الدرس الذي يجب أن نتوقف عنده و استخلاص العبر .. و ليس وثائق هيكل التي تعيد تعريف المعرف و تعليل المعلل ... 

بداية أقول .. النوايا الحسنة لا تكفي وحدها ..فكما يـُقال فان الطريق الى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة  .. حيث اننا لا نشك أبداً في نوايا القادة العرب القوميين الذين نادوا بانفسهم قادة للأمة و حاولوا قيادتها للتخلص من التسلط الامبريالي ..  ناصر – حافظ – بو مدين – صدام – القذافي .. وربما غيرهم .. لا أشك في نواياهم  ولكني اؤمن ايمانا شديدا ان الطريق الذي  سلكوه لا يتناسب مع الاهداف التي كانوا يتطلعون اليها .. لا الاستبداد و لا الاقصاء .. و لا الانتقائية يمكن أن تؤتي ثمارا نافعة  او ان تزرع شجرة يمكن ان يستظل بها احد و كان على هيكل ان يتوقف عند البناء الداخلي و الهفوات الديمقراطية او ( الدكتاتورية) كي يتمكن الجيل الجديد من الوقوف على اخطاء الآباء .. لا يكفي ان ينظر العالم الى جمال عبدالناصر على انه احد اعظم رجال زمانه كي نقول انه قد نجح .. ان الرجل العظيم  و الفكر العظيم ..  هو من يترك خلفه دولة قادرة على النمو و التطور بأيادي الشعب لا من يترك دولة قابلة للانهيار بعد رحيله .. ان البناء الهش المعتمد على الفردية و الاقصائية و الاستبداد  لمفاصل دولنا العربية  لا يترك لها فرصة الحصول على تراكمية في عملية البناء  بل  يترك حتما فرصة للانهيار و العودة من نقطة الصفر .. انه البناء على اسسٍ رملية .... ما كان ينقص هذه القيادات و يشكل نقطة الضعف المميتة هو تنكرهم للديمقراطية و ربطهم لتطلعات الامة باحلامهم الشخصية بالمجد فاذا كانت القوى الخارجية لم تألوا جهدا في حياكة المؤامرات  فان قياداتنا القومية لم توفر جهدا في اضعاف البنية الوطنية لبلادنا ولست ادري أيهما يخدم مصر أو أي دولة عربية أخرى اكثر .. تحالفات استراتجية هنا وهناك ام بناء وطني ديمقراطي داخلي .. كيف يغيب عن هؤلاء الذين خبرو العالم ان لا احد بحاجة للتحالف معنا اذا كنا نعاني من ضعف داخلي ... وان حصل و صنعنا تحالفا فاننا سندفع اثمانا من التبعية و الانقياد نتيجة الوهن الداخلي او ندفع حتى ثمنا سياديا ماديا على الارض .. تاريخياً فان بناء اي دولة قوية او امبراطورية لم يتم عبر التحالفات بل تم عبر بناء داخلي متين مما يفرض على القوى العالمية ان ترتبط بهذا الكيان وفق تحالفات تحترم وجهة نظره و تطلعاته ... ... هيكل يبدو مستغربا من التحول الجذري لبعض علاقات مصر الخارجية بعد عبدالناصر .. و لا ادري كيف انه لم يدرك ان ذلك مرده الى هشاشة البناء السياسي المؤسساتي و الديمقراطي الذي خلفته الفترة الناصرية و الذي كان هو احد اعلامها  .

كان على هيكل بدل ان يغوص في خلفية بعض القادة ودوافعهم و تركيبة الشخصيات النفسية كان عليه ان يغوص في اخطاءِ تيارهِ وان يقدم مراجعة شجاعة  ..

لعل نظرة التيار الناصري لمفهوم الامن القومي .. ولعل طريقة البناء الداخلي الهش كانت  السبب الاساس في افشال الوحدة بين سوريا و مصر ..

اننا ما زلنا نصنع اوهاما و نسوق لها ................

 

 

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."