محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
شغف
شغف
بقلم: زياد جيّوسي
هي المرّة الثّانية الّتي يتاح لي فيها التّحليق في معرض لفنان غير عربيّ؛ المرّة الأولى لفنّانة أوروبيّة في مركز خليل السّكاكيني في رام الله، الذي كان ولم يزل حاضنة الثّقافة والفنّ هناك، والثّاني في رحاب قاعة مركز رؤى في عمّان، هذا المركز الّذي أصبح لا يفارق زياراتي لعمان في رحلة التّجوال والوطن، لأكون في زيارتي الأخيرة على موعد تحليق في عالم من الفرح مع "شغف" الفنان خوزيه فنتورا.
الفنّان خوزيه يحلّق في "شغف" بتميّز وفرح، وهو معرضه الأوّل في بلد عربيّ، فالفنّان الكندي الجنسيّة السّلفادوريّ المولد والأصل والفنّ والملامح، يحلّق في فضاء رؤى عمّان، حاملاً معه ألوان الحياة والجمال، الفرح والمرح وسهر الليالي وأحلام العاشقين، يحمل لنا فرحه وأحلامه بالرّيشة واللون، ليحملنا على أجنحة من جمال وحبّ وفرح إلى عوالمه وترحاله.
خوسيه فنتورا ولد في السّلفادور وعاش بها، عمل في الرّسم بأشكاله- فهو فنّان ومحترف؛ رسم اللوحة والسّيراميك، وعمل بفنّ الزّجاج المعشّق في الكنائس أيضًا. ولعلّ عمله في دور العبادة وزجاجها لعب دورًا كبيرًا في خلق روح الفرح والحبّ والتّأمّل في فنّه، فكان ما تأمّلته من أعماله في رؤى عمّان حالة تمازج بين الرّوح والفرح والفنّ الانطباعيّ.
نحن لسنا أمام فنّان مستجدّ أو صغير في العمر، فهو يبلغ الرّابعة والخمسين عامًا؛ سنوات حياته قضاها في الفنّ ممارسة عمليّة وفنًّا يحلّق به، وتجوالاً بين الأمكنة. فعاش فترات في المكسيك وواضح تأثّره بها من خلال فنّه، حتّى وصل لكندا وعاش بها وحمل جنسيّتها، فتركت الأمكنة أثرها على روحه وانعكست على فنّه ولوحاته، وإن كان هذا بالنّسبة لي المعرض الأوّل الّذي أشاهده للفنان، إلاّ أنّي أكاد أجزم أنّ الفنان في معارضه الشّخصيّة السّابقة بعددها الإثنيّ عشر ومعارضه المشتركة الثلاثة عشر بين السّلفادور والمكسيك وفرنسا وكندا حتّى وصل إلى عمّان. إنّ الفنّان حافظ على روح الفرح في لوحاته، وكان الفرح نقطة المركز والجذب في فنّه.
في معرضه "شغف" يمكن أن نوزّع أعماله إلى ثلاثة أقسام:

القسم الثّاني: الخزفيّات المرسومة، نجد أنّ الفنّان في القطع الخزفيّة المعروضة ركّز على رسم المكان والبحر والأسماك والحيوانات، وغابت عن الخزفيات المرأة بالحضور المكثّف، واختفت الآلات الموسيقيّة تمامًا. وتغيّر نهج اللون المستخدم، فغدت الألوان الفاتحة هي المعبّرة عن الفرح، وغابت الألوان الدّاكنة عن معظم الأعمال المعروضة، فكان عمله الخزفيّ يتّسم بالبهجة بدون استخدام رموز تحمل هذا الفرح.
القسم الثّالث: وهي عدّة أعمال محدودة العدد، عبارة عن رسم لأشكال معلّقة بالخيوط ومدلاّة من الأعلى، حيث أطلقت عليها اسم اللوحات الطّائرة. وقد ركّزت هذه الأعمال على المرأة بشكل خاصّ، فنراها على شكل حوريّة بحر أو عازفة أو تحلّق وكأنّها تطير. وبينها لوحة واحدة لحيوان بألوان تثير الفرح، ويمكن من خلال النّظرة الإجماليّة بعد تأمّل الجزئيّات، أن نرى أنّ الأعمال عبارة عن لوحة واحدة تحمل البهجة والفرح بشغف روحانيّ كبير، ولعلّ ما ساهم بهذا الشّعور أنّ العرض كان على نافذة زجاجيّة كبيرة، تظهر خلفها حديقة مركز رؤى الجميلة، فأصبح المشهد الخلفي للحديقة والسّماء، وكأنّه البحر الّذي تسبح فيه هذه اللوحات.
والخلاصة أنّ الفنان باستخدامه الألوان والرّموز، كان محلّقًا بإبداع، حيث أنّ الرّوح لا يمكنها إلاّ أن تعود لتتأمّل هذه اللوحات أكثر. ويمكن أن نلمس بوضوح روح التّفاؤل والأمل في روح الفنّان، وبالوقت نفسه تأثّره بأسلوب فنّ الأيقونات، ولعلّ عمله بالكنيسة والزّجاج المعشّق فيها، لعب دورًا كبيرًا في ذلك. ولعلّ الترحال لعب دورًا آخر في انعكاس مشاهد من الرّيف في العديد من اللوحات، وظهور البحر كعامل لا يغيب عن لوحاته، وفي الآن نفسه نجد تأثّره بالرّوح الشّرقيّة من خلال رسم النّارجيلة في العديد من اللوحات. كما ولا تخفى روح الفنّان الإنسانيّة والتي نتلمّسها بقوة من خلال سعيه المتكرّر لأنسنة وجه القمر ووجوه العديد من الحيوانات والطّيور، فكان الفنان مبدعًا محلّقًا يمنح المشاهد والمشاهدة كمًّا هائلاً من الفرح ومشاعر الحبّ.
(عمّان 10/5/2009)
|