المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
حــــــــــــنين

  

 أميمة أحمد

 تلفُ بايا ريحا صبا ملئ بالحنين والشوق ، كيفما اتجهت تلفحُ وجهها ، وتنبجسُ ينابيعُ ، تنسابُ رقراقة بين ثغورها . في منزلها كلُ شيء فيه يثيرُ الحنين إلى رسم أبدعت في تصويره ، بأحرف رقصت على لسان قلمها كلما خلت إلى نفسها ، وما أكثر خلواتها في  ربوع الاغتراب ، حيث  تشعر  بقسوة الوحدة أكثر كلما ازدحمت شوارع المدينة  بالبشر ، فهي لا تعرف أحدا منهم على كثرتهم ، فيلفحها صقيع الاغتراب  ، وينتابها الحنين الجارف إلى دفء الأهل ، وقهوة الصباح من صنع والدتها الحنونة  ، ذاك زمان أمسى بعيدا الآن  . قفزت باية عن كل هذا الواقع ، وتسلقت أكمة الحلم بكل بهائه ، واتكأت على شُرفاته،  تحدُثُ ضياء الذي هوى نيزكا في أعماقها على غير توقع أو ميعاد ، فامتلأت الأكوانُ موسيقى ، تعزفُ على أوتار أعماقها الزاهية فرحا ، تثيرُ رغبة اللهو لدى العنادل والحساسين والبلابل في ربوع حدائقها وقد عاد ربيعها طلقا ، يختالُ بحسن لم تألفْه من قبل ، وعبقُ أوراده تملأ جوانحها شوقا وحنينا إلى لحظة تصافحُ فيها من كتبته وأحبته ، حتى ولو كانت كمصافحة الغرباء .. تريدُ أن ترى حُلما صنعته في عشيات الحنين ، وأماسي الشوق عبر سنوات خلت . كانت تتفتقُ أكمامُ الورد لحظة بعد لحظة في دواخلها  ، تفتحُ الآن دفاترها ، تقرأها صفحة بعد صفحة ، تتراقص  بين سطورها عينا ضياء  ضاحكتين ، تشعُ من حدقات  عينيه خيوط فجر واعد بالأمل واللقاء .

 لماذا تراجع التصويرُ بالكلمات ؟ لماذا ذبُلت تلك الأوراد ؟ في مروج ليلكية ، على  سفوح الزمن راحت تتأمل باية تفاصيل المشوار ، متسائلة عن سرّ عاصفة الحنين ، هل لأيام مضت صورتها كما يحلو لها ؟ أم لضياء الذي أضاء أبعاد الصورة ، وجعل ضوءه  لونا أجمل للحياة ، أجل رقة وحنان ضياء كانت وراء روعة الجمال لتلك الأيام ،  كطل الندى يروي تلك مساكب  النرجس ، والفل والياسمين والخزامى كل صباح ، يمسحُ بكفيه حنانا على خدود الورد لتزداد ألقا .

 تراجعت باية عما قالته ، تربد أن تتعلق بحبال الأمل  على أي صورة كانت ، وقالت بثقة : لم يذبل شيء ، ولم يتراجع التصوير ، بل انتقل إلى شكل سرمدي لم تعد الكلمة تحيط به ، فصمتت  وحالها يردد بيتا من قصيدة للشاعر نزار قباني "الصمتُ في حرم الجمال جمالُ " ، وانسابت مع موسيقى القُزح  أهداها لها ضياء ذات يوم ، تنتشرُ الفرحة والغبطة قوس قزحا ، بتلاوينها الزاهية ، هتفت إليه  لتسمع صوته ،ثم  ودعته على أمل اللقاء ، أو هكذا تصورت بكلمة باي أنه بعيدٌ ، ولم تكن تدري أنه الآن أكثر حضورا ، يفرشُ جناحيه حولها ، يُراقصها ، تدور كفراشة بين يديه ..وظلت ترقصُ وترقصُ .. فهو التعبير الأول للإنسان . هكذا الحب إن لم نجده لا خترعناه ، ليكون للحياة وجه إنساني . 

         الجزائر في 29 / 6 / 2003                                                                            

   

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."