محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
نعمة العروبة..
أحمد ولد إسلم*
Ahmed3112@hotmail.com

لا يدرك المرء فظاعة جهله إلا حين يعلق في موقف تنقذه منه معلومة صغيرة، هي بالنسبة لمن عنده أضأل من أن يجهلها أحد.
ولا يعرف فائدة علمه إلا حين يرى متخطبا في جهل تتقاذفه أمواج المواقف المحرجة، في وقت يعتبر المتعلم أن ما يعيق الجاهل لا يحتاج كبير عناء لمعرفته.
تأكدت من هذه الحقيقة حين كنت في "مسجد بروسبكت ميرا" في موسكو لأداء صلاة الجمعة، حيث وصل أحد المصلين متأخرا وقد فاتته ركعة، فسلم مع الإمام معتبرا صلاته انتهت، ثم أدى نافلة من ركعتين تبدو سائدة عند أغلب المصلين هنا.
وقد أدركت فظاعة جهلي لغة القوم حين بقيت حائرا أنظر ببلاهة إليه، وكل ما أتمناه هو أعرف كيف أقول له بعد سلامه مباشرة أن عليه صلاة ركعة يتبعها بسجدتين بعد السلام، ويحوز بذلك أجر الجمعة، ويسقط عنه الظهر، ولكن حبسني جهلي، وغادر هو مصلاه معتقدا أنه أدى فرضا جاء من بعيد لأجله.
وما إن شرعت في لملمة سجادتي حتى وقف علي مسلم آخر، فهمت من كلامه أنه يستأذن في ترك سجاتي ليصلي عليها، ثم سألني إن كانت صلاة الجمعة قد انتهت فأجبته أن نعم، قال: وماذا علي أن أصلي؟
لم أفهم كلامه فقلت له أنا لا أفهم الروسية، قال هل تفهم الأزبكية؟ فقلت لا، أنا أتكلم العربية والفرنسية وقليل من الانجليزية، قال لي وما أفعل انا أوزبكي لا أفهم إلا الروسية أو الأزوبكية، وحينها تقدم مصل سمع حوارنا وقال له إن صلاة الجمعة فاتته ثم أتبعها بكلام لم أفهمه إلا أن الشاب أخذ السجادة مني وصلى عليها ركعتين فعرفت أن من أفتاه قال له إن عليه صلاة ركعتي الجمعة قضاء.
وهنا آلمني وضع المسلمين من غير العرب، فلو كان الرجل عربيا لأدرك أغلب أمور دينه في صباه، وما فاته منها يمكنه استدراكه -إن رغب- في أي وقت، لقرب المأخذ الشرعي منه، وسهولة فهمه لمصادر الشريعة ومقاصد أحكامها.
وكم هي نعمة كبيرة لا يدركها كثير من العرب ،أن قد من الله عليهم بمجيئ الإسلام بلغتهم، وهي نعمة لا يعرف العربي قيمتها إلا حين يقف على عجم يتهجون آيات القرءان المرسومة بحروف لغاتهم فلا يفقهون مما فيها شيئا ،غير أن قلوبهم مطمئنة أن ما يقرأون كتاب منزل من عند الله عز وجل، ويتقربون إليه بتلاوته، ولا يتمنون أكثر من أن يكونوا قادرين على استيعاب معانيه.
وقد أثار هذان الموقفان تساؤلات كثيرة عندي، حول تجاهل الدول العربية لبناء مراكز تعلم اللغة العربية، وتفقه المسلمين من غير العرب في أمور دينهم، ودول الخليج العربي أولى الناس بهذا الأمر، بما آتاها الله من بسطة في المال والعلم، ولحملها راية الإسلام والعروبة، إذ هي منطلق الرسالة ومهد الإسلام والعربية.
ثم إن منظمة المؤتمر الإسلامي التي تعتبر روسيا عضوا مراقبا فيها ملزمة بتوفير مراكز لتعليم الناس وتكوينهم لتحصينهم من الأفكار المتطرفة، فهؤلاء المسلمون من غير العرب صفحة بيضاء، وهم بحكم عاطفتهم الجياشة لكل ما يمت للإسلام بصلة، يكونون صيدا ثمينا للجماعات المتطرفة، فتحشوا أذهانهم الفارغة بمفاهيم أبعد ما تكون عن الإسلام ، فلا يكون ثنيهم عنها بالأمر السهل.
فكما يقال في عالم الإعلام إن الحقيقة مع من يقدم الخبر أولا، فحقيقة الإسلام بالنسبة لهؤلاء مع من قدم لهم أول معلوماتهم عنه.
ولا تعذر في هذا الإهمال الكبير للغة العربية في أرض الروس جامعة الدول العربية، فأقل ما يمكن أن تنجز؛ فتح مراكز لتعليم اللغة العربية في عدة مدن روسية، مما سيمكن الرأي العام من بناء صورة واضحة عن مجريات الأمور في الأراضي العربية، ويكفل تعاطفا أكبر نحن بأمس الحاجة إليه مع قضايانا المصيرية، وسيشكل دعما شعبيا لمواقف الحكومة الروسية التي تسجل دائما في موقف محايد إلى حد ما.
وتبقى الفرصة كبيرة ومربحة أمام رجال الأعمال العرب، إذ لو فتحت مراكز تجارية لتعليم اللغة العربية في عدد من المدن الكبيرة في روسيا لتدفق عليها المتلهفون لمعرفة هذه اللغة، ويمكن الاستدلال على أهمية وحيوية هذا المجال بالتقارير الإعلامية المتزايدة في الفترة الأخيرة عن تضاعف الإقبال على أقسام اللغة العربية في الجامعات والمعاهد الروسية - على قلتها- وهي معاهد يدرس فيها مستشرقون أمضوا فترات في الدول العربية، وعادوا محملين بمزيج من اللهجات العربية وقليل من الفصحى، ويتخرج الطالب مشتتا بين ألسنة أساتذته فيحار أي لسان بينهم هو العربية.
في حين لو كانت هنا معاهد تجارية تدرس العربية بطاقم متخصص لكان الإقبال عليها أكبر وكانت الفائدة فيها أعم.
فأي من هؤلاء جميعا سيتحمل مسؤولية التاريخ عن لغة طالما كانت الحاضن لحضارة وصلت هنا... مشارف القطب الشمالي من الكرة الأرضية؟
*كاتب موريتاني مقيم في موسكو
المقال منشور في صحيفة القدس العربي
|