المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
"....."

ليس بإمكانك التذمر هنا. أنت لا تجد مبررا لذلك أصلا. فالحكومة تهتم بكل شيء: تطعم الناس وتؤويهم وتكسيهم، والشعب منظم وأليف كالقطط، ووالشوارع نظيفة وتخلو من اي ازدحامات او خروقات لقواعد الطريق، ومراقبو السير على الدراجات مجرد وهم يظهر في الأفلام الأجنبية فقط، حتى انهم يلتزمون باللافتات على الارصفة التي تحدد اوقات الاصطفاف، ويؤون الى النوم بالبيجاما، ويواظبون على تناول الوجبات الثلاث. ما هذا؟ ألم تعرف الفوضى يوما طريقها الى هذا البلد الداجن!
ابتهجت حينما رأيت هيبيين وبوهيميين بشعور طويلة ومجدولة، كأنما رأيت عربيا في بيت شعر وحوله بعير ومهباش وعازف ربابة، الا اني سرعان ما ادركت ان حتى هؤلاء  الفوضيون ملتزمون، بل ويعنانون الأرقق ان لم يطفئوا انوار الدرج قبل النوم. حتى ان واحدا من هؤلاء قال لي من الطبيعي ان تفرض المدينة غرامات على المخالفين لانها تحتاج المال. وقد أبدى تفهما في السياق.
كأنهم لم يعرفوا ان بالامكان ان يشطب المرء كذا مخالفة سير بتلفون واحد في عمان، وان موت احدهم في حادث سير يعالج بعطوة وفنجان قهوة سادة، ووجهاء، وكفالة في المخفر.
اختنق جراء هذا النظام المفرط، حتى ان خاطرا جهنميا مر في بالي اليوم: سأفتعل حادث سير. قطعت اشارة حمراء، وتجاوزت سيارات كثيرة وبقيت على المسرب الايسر بغية ان اصطدم بأحدهم: أين رجال دائرة السير؟. ثم ها ان شاحنة مهولة تمر بجانبي فأسرع لأصير بمحاذاتها واصدمها بقوة. هل استجاب سائق الشاحنة؟ لا. بل على العكس، خفف سرعته واصطف جانبا الى ان غاب عن ناظري، حتى ان انه لم يطلق زامورا او يلقي بشتيمة.
إنه بلد ممل وبليد، الناس دائما منهمكون ومشغولون، وفي عجلة حينما يمشون جيئة وذهابا. ألتفت حولي فلا أرى موجبا للاستعجال، وإنما أراهم يمشون في أزواج: شابا وفتاة، رجلا وامرآة، عجوزا وعجوز. يتبادلون قبلات سريعة بمثابة صدأ على الشفاه وبلا معنى، والسيارات بثور على وجه هذه الأرض، والمنازل تفتقد دفء العائلة، والنبيذ أحمر، والأطفال لا يبكون / وكلهم شقر بلا استثناء..
قلت مرارا ان ألمانيا لا تناسبني، فالحكومة هنا تهتم بكل شيء، وهذا مقرف ويجعل للأيام كلها لونا واحدا: أحتاج حكومة مستوزرين منحطة لا تكترث بأحد، وترفع الأسعار دون أن تلقي بالا لرأي الشارع، وتعامل مخيمات اللاجئين كحثالة، وتترك الشوارع قذرة، وتعامل المواطنين من اصول اخرى كأنصاف مواطنين، وتدعي عدم معرفتها بفوضى المواصلات العامة، وتغض النظر عن النفط في البلد الفقير لتتسول اكثر من الدول المتقدمة لتنعم بديمقراطية دمى: حكومة متكرشين ورجال أعمال، وبرلمان متغولين وأذناب سلطة، وأحزاب خردة تكتفي ببيان استنكار وشجب، وشعب خامل منغمس في الارتماء.
ببساطة: أنا أشتاق الأردن!




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."