المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
بامبينو ..بامبينو

 

نسمات رقيقة من الهواء المنعش في ذاك الليل الهاديء مست وجه ذلك الشاب ذو الملامح الصلبة و التي تعطيك شعورا بأن الزمن قد فعل فيها ما فعل و هو يجلس في حديقة منزل أنيق أحاطت به الأشجار من كل جانب دار ت عيناه التي تحملان قدرا عميقا من الحزن الدائم أرجاء المكان الذي استقر فيه حديثا بعد قصة طويلة من الكفاح ....بامبينو ...بامبينو ...طالما ستظل هذه الكلمة كنقش فرعوني اصيل بداخله ...بامبينو تلك الكلمة التي تحمل كل معاني البؤس و الشقاء و العذاب ...بامبينو ...يا قاتله الأطفال ...
ترقرت عيناه بالدموع و هو يتذكر لمحات من ماضيه و من تبقى من أهله في بلده مصر ...مصر ...مصر القاسية ...ظل يرددها و قد ذهب ذهنه و كيانه لأحداث بعيده ...إلى هذه المنطقة العشوائية الفقيرة ...هذا المنزل الصغير الذي يتكون من حجرة واحده يعلوها سطح خشبي لا يقيه و أهله حتى من قطرات الندى , فتحة صغيرة في باطن الأرض بجوار تلفاز متهالك هذه الفتحة يطلقون عليها دورة المياه , موقد صغير على أرض المنزل الطينية الرطبة يرقد عليه حلّة لا تتسع لكتكوت صغير يقدم على وجبة الغذاء ..أب بائس يعمل في إحدى شركات الغزل و النسيج براتب مائتي جنيه شهريا و أم نحيفة للغاية لا تعرف ما الذي يدور حارج أركان هذا المنزل .سيده مسنة نسيها الزمن و نسيت الزمن و تحيا ما تبقى لها من العمر

*****************************

 


نظر لأبية يوما مليّا و قال بمنتهى البراءة :
- بابا ...انت ليه وشك مكشر علطول و مش بتضحك ؟
صمت الأب و هو ينظر لابنه طويلا و ابتسم فأوجس الأبن خيفة من ابيه الذي همس له : انت خايف ليه ؟!
قال الابن بنفس الهمس : شكلك بيبقى غريب لما بتضحك يا بابا ...

 

*****************************

 


جلس في الزقاق هو و كثير من الأطفال في مثل عمره تقريبا تبدو عليهم القذارة و الاتساخ بشكل واضح ...يمر عليهم الرجال و النساء كل يحمل بيده دلو فارغ ..المياه لا تدخل المنطقة منذ أكثر من ثلاثين يوما ..يتراص الناس في طابور طويل يقف بجوار ابيه و امه و جدته و كلا منهم يحمل دلوه ...سمع أحدهم يسب ابيه لأن ما يفعله يعد تحايلا و أن الماء لن تكفي كل سكان الحارة ...نظر الاب لابنه في احراج خشية ان يكون سمع السباب فيتحاشى ابنه نظرات ابيه فسمعه يرد السباب بأقظع منه وسرعان ما وجد ابيه تحت أقدام عدد من رجال الحارة و قد تناوبوا الضرب عليه بمنتهى القسوة ...حاول أن يصرخ منقذا ابيه و لكن لطمة قوية اسقطته أرضا .

*****************************

همس الابن لأمه :
- ماما يعني ايه قرية سياحية ؟
نظرت اليه أمه قائلة :
- مش عارفه يعني ايه ؟! انت سمعتها فين الكلمة دي ...
ينظر اليها و يهرول ناحية أبيه :
- بابا يعني ايه قرية سياحية ...؟
قال الأب :
- انت سمعت الكلمة دي فين ؟!
قال عاصرا ذهنه :
- امبارح جه ناس بيقولوا انهم تليفزيون في الحارة و سمعت واحد منهم بيقول ان المياه مقطوعة هنا من ستين يوم علشان فيه قرية سياحية جديدة فتحت جنبنا و شفطت كل المياه اللي في الحارة ...يعني ايه بقى قرية سياحية ...؟!

*****************************

- بامبينو ...بامبينو .....

*****************************

نظر فوجد أمه راقدة بلا حراك و بجوارها عدد من أرغفة الخبز بجوار شريط القطار المطل على منزلهم ..سمع بكاءا و نواحا يمتد للطم ...

- ماما ...مالك مش بتردي ليه !؟!
سمع أحدهم :
- ده يا عيني القطار مضربهاش ..ده الهوى بتاعه و هو معدي هو اللي وقعها على الشريط ...هيه أصلا نحيفة أوي يا حبة عيني ...
همس لأمه :
- يا ماما انتي مش بتردي ليه ..يعني كان لازم تعدي شريط القطار علشان تجيبي عيش انا مش عايز آكل ما إحنا اصلا مش بنحب الأكل ...
شعر بيد أبيه تربت على كتفيه ...

*****************************
بامبينو ..بامبينو ....

*****************************

وحيدا في المنزل ...
لقى الأب و الجده ربهما ....
وحيدا في الدنيا ..
سمع صوت المذياع قادما من بيت الجيران
لم يستطع أن يفهم الكلمات و لكن عجبه ما بها من موسيقى

 

ضريح رخام فيه السعيد اندفن
و حفره فيها الشريد من غير كفن
مريت عليهم .. قلت يا للعجب
لاتنين ريحتهم لها نفس العفن

 


*****************************

الرجل الكبير على القهوة ...هكذا كان يلقبه كلما رآه ..و كان الأطفال الآخرين يلقبونه أيضا بذو الشارب الكثّ ...وقف بجواره لم يقوى على النطق ...و قال له كلمة واحده : انا جعان ...هات فلوس اجيب أكل ..
نظر اليه الرجل الكبير على القهوة ذو الشارب الكثّ ...

*****************************

بامبينو ...ها قد أقتربتي ...

*****************************

البرد قارص ....
الليل شديد لسواد ...
الطبيعة غاضبة ...
البحر أمواجه متلاطمة ...و لكنه الموعد المناسب ..
هكذا قال له الرجل ذو الشارب الكثّ و لباقي الأطفال- بأنه الميعاد المناسب للسفر هو هذا الوقت ...
قال في براءة :
- طب احنا رايحين فين ؟!
لطمه الرجل لطمة قوية قائلا : انت جاي تسأل دلوقتي ...
ثم نظر لشاب يقف وسطهم :
- اول ما توصل سواحل إيطاليا لو حد اتعرضلك ...اصرخ بعلو الصوت و قول بامبينو ...بامبينو ....

*****************************

و في ذلك الليل شديد الظلام ..
وصلت المركب سواحل إيطاليا تحمل طفلنا ذو الطفولة البائسة
لم يتبقى على المركب سوى اربعة أطفال و هذا الشاب الكبير ..و مات منهم أحد و عشرون طفلا بعضهم على المركب و الباقي ألقوا بهم في المياه ...
ضربت الأنوار قوية في أعينهم ..صرخوا بعلو الصوت : بامبينو ...بامبينو ...

*****************************

كان صوت المذياع ما زال يتردد بداخله حتى و هو فاقد الوعي

 

خرج ابن آدم من العدم قلت : ياه
رجع ابن آدم للعدم قلت : ياه
تراب بيحيا ... وحي بيصير تراب
الأصل هو الموت و الا الحياه ؟

 



*****************************

انتفض الشاب ذو الملامح الصلبة عندما وصل بذهنه عند هذه النقطة تحسس عيناه فوجدهما و قد أغروقتا بالدموع ..قام من مقامه و أخذ يطوف أرجاء منزله الأنيق ...
شعر بيد زوجته الإيطاليه الحسناء تربت على وجهه في نعومة و هي تحمل طفله .....نظر اليها طويلا و طبع قبله حانية على وجه طفله ...

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدراجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."