المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
عبد الرحمن بن سعدي أنموذجا سلفيا فريدا

 

عبد الرحمن بن سعدي أنموذج سلفي فريد
الحديث عن السلفية ذو شجون لتنوع وكثرة التيارات التي تنتسب إليها، فتارة ترمى السلفية بالإرهاب لانتساب تيار متطرف إليها ، وتارة ترمى بتمييع الدين كون أن عدم الالتزام بالمذاهب الأربعة من أصولها- زعموا – وأنها فتحت باب الاجتهاد على مصراعيه لكل من هب ودب ! ...الخ
وعلى كل الحجر لا يرمى به إلا باسق النخل ، ولا تحاكم جماعة بأخطاء من ينتسب إليها إنما تحاكم بأصولها التي ترجع إليها.
وليس لأجل ذلك كتبت هذه المقالة في الحقيقة ، إنما أردت الإشارة إلى بعض الأخطاء التي يرتكبها بعض الدعاة من الشدة والغلظة في الدعوة والتعدي في إطلاق الأحكام  على الآخرين.
وفي رأيي أن هذه الفئة قلة بالنسبة للتيار العام المعتدل لكن للأسف استخدمهم خصوم الدعوة نماذج للقدح فيها.
فأردت أن استخدم أنموذجا سلفيا فريدا معاصرا بعيدا عن تلك النماذج الفريدة في القرون المفضلة ، لأضرب مثلا بأن الفكر السلفي ليس فكرا مثاليا غير قابل للتطبيق بل هو فكر واقعي يستمد قوته من أصوله المتينة.
عبد الرحمن بن سعدي عالم سلفي برز في إقليم القصيم من مدينة تسمى عنيزة والتي تعد من العمق الجغرافي للدعوة السلفية .
كان هذا العالم أنموذجا يحتذى ورمزا يضرب به المثل في ثمار الدعوة السلفية المعاصرة.
فكم من عالم سطرت قبل اسمه الكثير من الألقاب والتي تصف تواضعه وعلمه وإمامته في الدين لكن هذا شيء ومعايشة واقعه شيء آخر فالواقع قد يصدق ما قد قيل عنه أو يكذبه.
فأما بن سعدي رحمه الله تعالى فشيئا آخر ، وقد ذهلت لما قرأت كتاب ( مواقف اجتماعية من حياة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي ) مما جعلني أواصل في قراءته حتى أتممته في أقل من أربعة وعشرين ساعة ، وكان من شدة إعجابي بهذا الكتاب أني تمنيت  أن يوزع على كل شاب مبتدئ في تدينه مرورا بطلبة العلم وانتهاء بذلك الشيخ في حلقته العلمية ، ليطلع ويعايش هذا العالم الفذ حياته اليومية والذي ضرب أروع الأمثلة في الاعتدال والاتزان في كيفية تطبيق النصوص الشرعية ، لأنني على يقين أن هذا الكتاب – والذي غالبه قصص من حياة الشيخ  - سيكون شرارة تغيير لدى الكثير على بساطته وسلاسته وعاميته في بعض الأحيان ، لأن معايشة الواقع والنظر في الصور الحياتية للعالم أبلغ في التأثير من التنظير العلمي والإملاء الفكري لأنها ترجمان لقناعاته وتطبيق لتلك المعاني الغائرة في أعماقه وإن غلفها بزخرف من القول .
فالشيخ رحمه الله تعالى استطاع أن يوازن بين تعامله مع المجتمع المحيط به والذي لا يخلو من المجاهرة بالمعاصي في بعض الأحيان ، وبين تطبيق النصوص الشرعية فالمتتبع لحياة الشيخ – سواء في هذا الكتاب أو غيره – يعلم أن ابن سعدي بعيد كل البعد عن أسلوب التنفير كما أنه ليس - في نفس الوقت - مميعا ولا مضيعا للأحكام الشرعية .
وسآخذ ثلاثة أمثلة فقط من حياته رحمه الله تعالى تاركا لكم حرية البحث عن مواقفه وسيرة العطرة الكريمة.
 
 
المثال الأول:
كان في السابق في مدينة عنيزة وكما هو الواقع في أرجاء المعمورة آنذاك أن لا غنى لأي بيت عن الحطب وهو يقوم مقام أجهزة الطبخ والتدفئة ، فكان يأتي بائع الحطب ويستأذن بالدخول فتدخل المحارم داخل الغرف ليتمكن البائع من إنزال الحطب في باحة المنزل ، وما يهمنا أنه بعد أن أنزل البائع الحطب في بيت الشيخ وانصرف تعقبه الشيخ لينظر إلى الحطب فإذا به يجد صندوقا صغيرا سقط من البائع ، فعلم من رائحته أن فيه دخان ( التتن )، فلحق الشيخ بالصندوق البائع فلما أعطاه الصندوق قال له البائع : يا شيخنا هل تعلم ما فيه ؟ فقال الشيخ : نعم . فقال البائع : ولم رددته لي ؟ قال الشيخ : لأني أعلم أنه من العسير عليك تركه وستقوم بشراء غيره وسيكون ذلك على حساب أهل بيتك فرحمة بصغارك أرجعته لك  وأسأل الله تعالى أن يتوب عليك ، فبكى ذلك الرجل وحطم الصندوق وعاهد الشيخ على أن لا يرجع إليه أبدا ، وذلك مع العلم أن للشيخ مؤلفا في حرمة التدخين في ذلك الوقت .
أقول كان بإمكان الشيخ أن يشهر به كما كان بإمكان الشيخ على أقل تقدير أن يقوم بتحطيم ذلك الصندوق بدعوى أنه منكر وأنه سيستر عليه في هذه المرة على أن لا يعود إليه ثانية وله في ذلك مبرر شرعي ، غير أن الشيخ رحمه الله تعالى كان فقيها واعيا وداعية ناصحا يعلم أن هناك فرقا بين تقرير الحكم الفقهي وبين أساليب تطبيقه فعليه رحمة الله تعالى .
المثال الثاني:
مر الشيخ على رجال يغنون وهم يبنون ، فلما انتبهوا لوجود الشيخ سكتوا ،فقال لهم الشيخ ضاحكا : مالكم سكتم إن الغناء يعينكم على العمل ويبث النشاط في نفوسكم فنظر بعضهم لبعض حيث توقعوا خلاف ذلك من الشيخ ، لكن الشيخ رحمه الله تعالى لم يطلب لنفسه الوقار المبالغ به أو إضفاء قدسية على ذاته إنما القدسية الحقيقية للنصوص والأحكام الشرعية ، واحترامنا لأنفسنا والوقار المكتسب لذواتنا نابع من مدى تطبيقنا لتلك النصوص .
 
المثال الثالث:
جاء جهاز البرقية لمنطقة بريدة ليحدث ضجة كبيرة في تلك المنطقة ، فجاء من جاء إلى الشيخ رحمه الله تعالى يدعوه لإنكار هذه البدعة الشنيعة ودعم قوله بأن تلك البرقية تأتي بها الشياطين وهي لا تأتي بها إلا أن يقام عند ذلك الجهاز شيء من الشرك كذبح (تيس!) مثلا كل سنة ، فضحك الشيخ مما قاله ذلك العالم وضعّف ما نقل له عن ذلك الجهاز وقال له : أليس يُنقل بذلك الجهاز أسم الله تعالى وشيئا من القرآن الكريم ؟      قال : بلى فقال له الشيخ : وهل تنقل الشياطين لنا قول ربنا؟! فسكت ذلك المنكر فقام وشرح له الشيخ ابن سعدي طريقة نقل البرقية وأنها تنقل عبر أسلاك كهربائية ...الخ فليس عجيب إنكار ذلك العالم لأنه أمر حادث ليس له مثال سابق على العالم الإسلامي ، وقديما حرم علماء الدولة العثمانية طباعة المصحف بوسائل الطبع الحديثة ولكن الغريب سعة أفق ابن سعدي واطلاعه على تطورات العصر .
رحم الله ابن سعدي رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وكم أتمنى أن يكون قدوة لكثير من الشباب المتزمت البعيد عن التطبيق الصحيح للمنهج السلفي.



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."