ومن دلالات المكان في الشعر الإماراتي:ا- الصحراء والنخيل.. والخيام: ولما كان النخيل من نتاجالجزيرة العربية ودول الخليج عموماً، فإن الصحراء هذا المكانالذي يقطن فيه النخيل، وهذا ما عرّج عليه الشعر وشخصالنسيج اللغوي العادل لمفرزات الفكر الناتج عن الاشتقاقالجمالي فقصيدة)نخلة( للشاعرة صالحة غابش المنشورة فيد يوا نها )ا لآن عرفت( تقول:"أنا النخلة العائدةإلى خريطة المتاهكي أكمل دورتي السداسية في سواحل الفراغ ".والشاعرة )صالحة غابش( تقول في مكان آخر من الديواننفسه في قصيدة )تتويج):وأنا في الشرق متوجةوبلاطي صوت امرأةتمشي في إثر نبييتبع ظل رسائلها في صحراء انفلتتمن قافلة البر"واذا أمعنا النظر في مفردات هذا المقطع الشعري فإننا ندركتماماً معاني المفرد ات التالية (الشرق، ظل، صحراء، قافلة).وهذء الاشتقاقات اللغوية لم تأت عبثاً في السياق، وانمااستطاعت المفردة الواحدة ان تشغل معنيين: محسوس مجرد،ومعنوي فيه القيمة الرمزية، والشاعرة (صالحة غابش) لهاأكثر من قصيدة تجسد مدلول المكان الذي نرمي إليه، وفيقصيدتها (هنا في الخليج) تلخص علاقة هذا المكان بالبوحالشعري.. حيث تقول في مطلع النص:هنا في الخليج أماكنيمر عليها الأمان صباح مساءويمكث يحكي لأطفالنا قصص الأنبياء هنا في الخليج قناديل حقٍ مضاءهجباه تمس تراب الوطن سجوداً لرب بحضرته كل قلب سكن،.لقد حققت الشاعرة ثوابت المكان- الخليج: الكل- و-الإمارات- الجزء- بوعي جمالي فيه من الإبداع الشعريوصوفية الروح بعيداً عن الصخب الإنشائي، حتى غنائية( تفعيلة المتقارب ) شاركت في حركة الواقعي في صحراء الخليج.
وفي مجموعتها الشعرية ( موت العائلة ) (1)، تبرز الشاعرة ( ظبية خميس ) كثيراً من كائنات الخليج، وعلى وجه الخصوص ( القنفذ ) الذي يحظى في هذه المجموعة بمكانة تجعله المتنفذ في ذ ات الشاعرة، ولذلك تخاطبه من أول القصيدة إلى آخرها، وهي تفضي له بأسرار العائلة التي تتحدث عنها، مع العلم أن الشاعرة في مجموعتها هذه لم تشر إلى أمكنة الكتابة، وانما اكتفت بذكر تواريخ القصائد التي جاءت في أوقات متقاربة من عام 1992، وكانت قد نشرت هذا العمل الشعري في مجلة ( شؤون أدبية ) (2).وفي صوت ( العائلة ) تطهر كائنات المدينة وتغيب شخوص وأمكنة الخليج إلا أن التأثر بطبيعة الخليج والجزيرة العربية واضح- طبعاً ومزاجاً- وهي التي تقول (3):كل طريق في النهايةكان سيؤدي إليككنت معي في كل شيءكل الأماكن ".أما الأديبة (أسماء الزرعوني) على الرغم من أن منجزها الإبداعي- قصة وشعراً- ينتمي إلى البحر، فإنها لا تستطيع أن تبعث عن ذاكرتي ما يمت إلى فيافي الخليج ،هذه الفيافي المترامية الأطراف، فتقول في قصيدة (هذا المساء لنا) (4):حدثتني النجومعندما سألتهاهذا المساء لنا؟تختلس لحظة من عمر الزمنأفراحنا صحراء الظمأيصرخ بداخلها الضياعفسألتها من جديدأكان هذا المساء لنا؟وتقول في مكان آخر من القصيدة:خرافة كانت قصتناكعتمة الخواءفي مهمة الصحراءهربت منها ارتحلت.. وفي مجموعة ( رواحل ) تقول الشاعرة (نجوم الغانم):"صمت بعد الغيابخيمتي وعدالتيصمتي إثر الكلامصرخة القلب للقلب "..إنها ألفاظ من واقع عاصرته الشاعرة بلحمها ودمها، ببوحهاوروحها، وقد قالوا "الزمان كأهله " لكنني أقول بعد أخذ الإذنمن أهل الفكر ما سمعته يوماً "البيت إنسان وليس جدراناً" وهذاما عبر عنه الشاعر العربي حين قال:وما حب الديار شفعن قلبيولكن حب من سكن الدياراهذا التوجس في المنجز الشعري عند نجوم الغانم قرأه المتلقيفي نصوص كثيرة لشعراء وشاعرات في الإمارات.2- المكان والطفولة: تعيش طفولة المبدع في حيز يسمح لهأن يعبر مسافة النصوص، والشاعر- على وجه الخصوص- تبدوطفولته في أكثر من وشم تثبته الذاكرة على الورق أشبه بجهاز إسقاط يرى المشاهد من خلاله صوراً للمكان الذي أدخل في الجهاز، إضافة إلى وعي الذاكرة، وأقصد التخييل الذ ي يعادل أو يقارب المسافة بين حال الكتابة الإبداعية وتوقيت الطفولة، هذا ما فعلته الشاعرة (هالة حميد معتوق) في ديوان (قطار ليلى)، الصادر عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة عام 1986، حيث تقول:"تحت النخلة نلهو نلعبنبني بيتاًنصنع مركبإن الشاعرة في هذا المقطع تستحضر وصفاً طفولياً وتحدد المكان الذي جادت على وصفه، إنه (تحت النخلة) حيث اللهو، إلا أن اللهو ليس عبثاً، وانما فيه تصور لقيمة مادية (بناء البيت)، و(صنع المركب) وهنا تعاملت الشاعرة (هالة حميد معتوق) مع المكان عبر ذاكرة تدرجت مع (الطفولة الحلم) إلى (الواقع الآتي) والمكان في هذا المقطع يقنع القارئ بمهمة الشعر الهادف.واذا كانت (هالة حميد معتوق) قد اتخذت من (النخيل) موقعاً لحال طفولية، فإن الشاعرة (ميسون صقر القاسمي) في قصيدتها (بلاط السلم الحجري) تقدم طعماً آخر لطفولة قد تكون مصطنعة، وقد تكون حقيقية لأن عاطفة التخييل في النص تخضع المتلقي إلى امتحان صعب، ومعادلة الفن هنا أقرب إلى الإبداع، حتى ولو كان عامل التخييل قد تغلب على الحقيقة:"لهذا السلم طعم آخرقدماي من خلاله تعلمت درس الصعود والهبوطمنذ عشر سنوات حرثت قدماي أرضهمنذ عشر وردات زرعت فيهوعندما نبتُكنت زهرة السلم التي لا يقطنها سواهكان درج هذا السلم طالعاً إلى الله"وفي مجموعة (بانتظار الشمس) تخصص الشاعرة (صالحة غابش) مجموعة من القصائد التي تتخذ فيها من المدرسة مكاناً للطفولة (بنت النهر، بانتظار الشمس، مديرة، سوسنة، أمل) وفي هذه النصوص تسترجع الشاعرة الزمان والمكان معاً، وهي تقول في قصيدتها (سوسنة) (5):"إني بلغت السادسةأماه أين حقيبتي أين القلم؟أصبحت بين الدارسين الأذكياء دارسةوعلى جواد الأمنيات فارسةوتركض خلفي ذكريات للعبكل ابتساماتي سأزرعها حروفاً في الكتبفالكون كله دفتري"فالمدرسة في هذا النص مكان فسيح، وهو أشبه بنظرية هندسية فيها جدار مضروب بجدار آخر، وفي رأي الرياضيات معادلة قد تكون من الدرجة الأولى أو من الدرجة الثانية، وهنا يتحقق وأقصد المكان، فالصف أو المدرسة مكان القوس الكبير، ش القلم والحقيبة والدراسة والفارسة شخوص الأقواس والجداء، وأيضاً لمكان جواد الأمنيات والكتب.هذه روافد لنهر المكان، وليست كل الروافد ويمكن للهم الشعري الذي جاء في المنجز الشعري النسوي في الإمارات أن يحمل المكان كثيراً من الدلالات وفق تفكير هذه الشاعرة أو تلك ومخبوئها النفيس، أو ما يأتي به الانزياح في خطاب المكان. ولعل فضاءات الأمكنة في الشعر النسوي الإماراتي تعطينا إشارات مرخصة بين الحس والتخييل لتجسّد حركية المكان.