محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
قيثارة عمي
بدى المنزل موحشاً .. مجموعة نساء يرتدين العباءات السوداء، تبكي بعضهن بصمت، تكتفين بانسياب الدموع على الوجنتين، وتنحب بعضهن بصوت مسموع، يؤلم المكان.
رائحة عمي تملأ المكان، كرسي المكتب وجهاز الكمبيوتر، وكأنني ألمحه يستدير لي كلما زرته في المناسبات وهو يبتسم، ويقول: مافينا أحد شاعر، إنتين ويش اللي سواش شاعره؟ وأضحك، ثم أناقشه في الأدب واللغة العربية، تماماً كما يحب.
غرفة نومه مفتوحة، ترك سريره البني الشاسع، وفضل الموت على سرير المستشفى. ملابسه لاتزال معلقة على "الشماعة"، وقيثارة صوته لازالت في المكان، لم يطل غيابه عن هذا المنزل، يومين فقط عاشها في سرير المستشفى، قبل أن يودع الجميع برحيله الأخير.
كنت أعلم منذ أسابيع بأنه يعاني من وعكة صحية، لكنني علمت لاحقاً إنه تماثل إلى الشفاء وعاد إلى المنزل بكل صحة وعافية. أمس الأول كان يمارس حياته الطبيعية، يزور أحد الأصدقاء ويذهب إلى الديوانية، عاد إلى المنزل فشعر بشيء من التعب، طلب من أبنائه أن يقلوه إلى المستشفى، فأمروا بإبقاءه تحت الملاحظة.
صباح اليوم لم أجد والدي في المنزل، اعتدت أن أبدأ نهاري بابتسامة منه، سألت والدتي وقالت إنه عند عمي في المستشفى، وطلبت مني أن نزور عمي عصراً للاطمئنان على صحته. قلت: من متى عمي في المستشفى؟ قالت: من أمس.
عدت بعد انتهاء جزء من عملي إلى المنزل، كانت الساعة تشير إلى الواحدة والربع ظهراً، وجه والدي ليس على مايرام، الحزن يخيم على منزلنا، سألت والدتي عن السبب، وقالت إن والدي كان عند عمي اليوم، وإن عمي في غيبوبه! قلت: أوبس، مره وحده عاد ؟ قالت: يبدو انه يعاني من هبوط حاد في الضغط ونقص في الأكسجين.
كان اتفاقي ووالدتي على زيارة عمي في العصر قائماً، فكرنا في زيارة عائلية له تشملنا جميعاً. لكن وجه والدي لم يكن يبشر بالخير، استفسرت من والدتي وقالت: يحس إن أخوه بيموت، قلت: ليش هالتشاؤم؟ ان شاء الله يقوم بالسلامة. قالت: شاف أخوانه عبدالعزيز ومحمد من قبل، وهو يحس ان اخوه نفسهم ليلة موتتهم.
بعد ساعتين، طرقت أختي الصغيرة الباب وقالت: إنزلي، عمي توفى!
أردت أن أجهش بالبكاء، فلم أستطع، أردت التعليق، فلم أستطع، أردت أن أفعل أي شيء؟ فوجدتني أرتدي السواد وأنزل إلى الأسفل. وجدت والدي كان صامتاً على غير العادة، لازلت أذكر وجهه عندما تلقى خبر وفاة جدي، وثم جدتي، وثم عمي الأكبر عبدالعزيز، وعمي محمد، رحمهم الله جميعاً، لكنه كان صامتاً وكأن هول الصدمة لم يجعله يستوعبها بعد.
وصلت إلى منزل عمي بعد دقائق من وصول والدي، نفس السيناريو كان يتكرر .. دخل والدي واحتضنته ابنة عمي زينب وبكت، تماماً كما احتضنته ابنة عمي دره عندما توفى عمي محمد قبل عدة أعوام رحمه الله. ووجدت نفسي أبكي، هذه المرة ليس لأنني فقدت عمي، لكن الموقف أرهبني، لم يتبقى أحد في هذه العائلة، بعد عمر طويل لوالدّي، من سيحتضنني هكذا ليمسح حزني؟
آآه، كان الموقف متعباً ومؤلماً ..
**
قبل أسابيع مرت الذكرى الثالثة على رحيل خالي عبدالعزيز، رحمه الله، مرت الذكرى ثقيلة على قلبي، فالبعد عمن نحب مؤلم، ولو كان سنة الحياة وقدرها، لازلت أذكر كل تفاصيل خالي وعلاقتي القريبة منه، لازلت ألمس وجوده بيننا كل يوم جمعه، عندما نلتقي في بيت جدتي.
لا أعرف كيف سيصبح منزل عمي كامل رحمه الله بعد غيابه؟ لم تكن لحظة غيابه حاضرة في ذهني، لم أتصورها قط، ولم أفكر فيها حتى؟ كان نشيطاً قوياً قريباً من الجميع دائماً.
رغم اعترافي بتقصيري في التواصل مع عائلة والدي لكنه يبقى عمي، ويبقى جزءاً مني .. يعتصرني الحزن على والدي كثيراً، ربما أكثر من حزني على فراق عمي، ربما لأنني مؤمنة بأن أرواحنا هبة من الله، ومتى ما أرادها سيأخذها؟ .. ربما لأنني اعتدت الصدمات في حياتي، ولأنني فارقت من أحب كثيراً، جدي وجدتي وخالي وأعمامي .. لكنني خائفة على والدي من الوحدة، إنها مرعبة ومربكة، خائفة على والدي من الحزن، اليوم فقط اكتشفت كم أنا متعلقة به وبحضوره في حياتي، كنت خائفة عليه حد الموت، أهاتف إخوتي كل دقيقة لأسأل عنه وعن نفسيته، وعما إذا كان قد شرب ماءاً أو أكل طعاماً، عما إذا كان جالساً أو واقفاً، من حوله ومن معه؟
أكتب هذه التدوينة، ودموعي تتناثر يميناً ويساراً، أتذكر كل الأحبة الذين ودعتهم في حياتي، وأتذكرحلماً رادوني قبل أيام لم أبح به لأحد، حلمت إنني أترجل من سيارتي ومع عمي محمد رحمه الله، كنا متوجهين إلى عمي كامل الذي توفى اليوم، وقد قال عمي محمد في الحلم: وحشني اخوي وخاطري اشوفه!
خفت أن أسرد هذا الحلم على أحد من العائلة فيتوجس، خفت أن أكون سوداوية في تفكيري وأحلامي، فضلت أن أخبئ الحلم الذي حلمته في داخلي، وكنت خائفة طوال أيام، حتى فجعنا اليوم.
رحم الله جدي عبدالله ، وجدتي زينب ، وعمي عبدالعزيز، وعمي محمد ، وعمي كامل ..
رحم الله جميع موتى المسلمين وجعل مثواهم الجنة
|