محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
عبق السنين
كانت تلك الليلة من الليالي التي لا يمكن نسيانها ، كنت جالسا أنفث دخانا بالغرفة بلا توقف وأتمتم بكلمات أنا نفسي لم أستطع فهمها ... أذكر أن عارف قال لي يومها :
- حقا كما يقولون أن هناك شعرة واحدة بين العبقرية والجنون .
لا أدري ما الذي قلته يومها وكان جنونيا جدا ، أو عبقريا جدا .لكني أدري أن عارف كان محقا كما كان دائما ، كذلك اليوم الذي قلت له فيه ونحن نشاهد فليما :
- ريتا قالت لي أني أفضل رجل بالدنيا ...
فأجابني دون أن يكلف نفسه عناء النظر إلي :
- لو كنت ريتا لقتلتك .
وأجبته ببرود أني سعيد أنه عارف وليس ريتا إذا ، بينما كنت في داخلي أحترق تماما كسجائري التي بين يدي لأني أعرف أن عارف محق كما كان دائما ...
كان رأسي فارغا وأنا أنفث بقايا الدخان وكأني انفث معها بقايا تفكيري، وبعد وقت طويل من الصمت استجمعت خلاله فكري وبضع كلمات قلت لعارف:
- لقد قتلتني ريتا بالفعل هذا المساء .
قلت كلماتي وانتظرت من عارف أن يقول شيئا ، يواسيني ، أو حتى يوبخني ... لكنه بدلا من ذلك هب واقفا وقال وكأنه لم يسمعني :
- ألن تذهب؟
أذهب؟
لعلي فكرت في سؤاله كثيرا واستغرقت حتى لم انتبه إلى أنه قد غادر...
عادة، عندما أكون في مثل هذه الحالة فإن الشيء الوحيد الذي يواسيني هو وجود عارف بجانبي، وبما أني لم أستطع أن أكلم نفسي لوقت طويل ، قررت أن أذهب أنا إليه.
دخلت منزله وجلست على الأريكة المفضلة لدي بينما جلس هو قبالتي يراقبني وأنا أنفث الدخان في أنحاء الغرفة ... نظرت إليه وسألته :
- بماذا أخطأت أنا؟
قام من مجلسه واقترب مني ثم سحب السيجارة من بين يدي وهو يقول:
- إن خطأك الوحيد في هذه الحياة كان هذه وريتا.
***************
عندما كنت في مقتبل العمر، بدأت بالتدخين ككل أترابي ، وعندما تزوجت قالت لي زوجتي مرارا أن علي تركه فلم أعبأ بها ، وأنجبت ريتا – ملاكي الصغير- ، بالتأكيد لم يكن عارف يقصد أن ريتا بحد ذاتها خطأ، ولكن الخطأ كان تركي لريتا .
بعد عشر سنين من ولادة ريتا ، حملت أمها بجنين آخر ،كان فرحنا به لا يوصف ، فعشر سنين لم تكن بالمدة القليلة، إلا أن فرحتنا لم تكتمل ، فلم يكد الطفل يبلغ الشهر الرابع في رحم امه حتى غادرنا إلى عالم آخر واضطرت زوجتي لاجهاضه ... وكان السبب كما قال الطبيب :
التدخين.
***************
يومها رمت زوجتي بعلبة التدخين من النافذة ، وانتزعت من يدي سيجارتي التي كنت أدخن ، مما أثار غضبي وأشعرني بانتزاع شيء من رجولتي ، جعلني أبدأ الشجار معها ...
بفطرة الأمومة بكل امرأة، وبكبرياء الرجولة في كل رجل ، وقف كل منا موقف أبى أن يغيره ، وبذلك الجنون الذي يصنعه الغضب في قلوبنا، تنازعنا كألد عدوين ...
لا أعرف أي شيطان جعلها تقول:
- أنا أو دخانك .
ولا أعرف أي جنون ذلك الذي جعلني أختار علبة سجائري على رفيقة عمري وابنتها فلذة كبدي.
أجل، شعرت بالندم بعد أن طلقتها ... شعرت بندم كبير ، لكن ذلك الكبرياء الكاذب- الذي أصررت أن ألبسه معطفا علي طوال عشر سنين- ذلك الكبرياء هو ما أبعدنا عن بعضنا طوال عشر سنين.
إنكم بالتأكيد تتسائلون ما الذي حصل لريتا وقتها ... ريتا عاشت مع أمها ، وكنت أراها مرة كل أسبوع ، وبالنسبة لفتاة في مثل عمرها فقد كبرت بسرعة جعلتني أفتقدها ، وكنت أتسائل أحيانا أين ذهبت طفلتي الصغيرة؟ ومن هي هذه الأميرة التي تربعت على عرش قلبي وسحرتني بكل ما فيها؟
ريتا أصبحت شابة جميلة ، وأخذت تزداد جمالا يوما بعد يوم ، وفي نهاية الأسبوع عندما كنت أراها ، كانت تبدو مختلفة جدا عن المرة الأخيرة .
أجل لقد أضعت ريتا ، أضعت لحظات ريتا وضحكات ريتا ... أضعت سنوات من ريتا ، ولم أستيقظ حتى اليوم ... اليوم فقط تذكرت أن طفلتي كبرت بعيدا عني ... اليوم ... اليوم عرس ريتا ...
هل تصدقون أن تلك الطفلة ستتزوج وستضع رأسها على صدر رجل سواي! رجل سيأخذها ويسافر ومن يدري متى سأراها بعد اليوم.
غربة السنين العشر أجمع أشعر أنها تتلاشى أمام وحدتي هذا اليوم ... ليتني لم اضعك يا ريتا ، ليتني عشتك لحظة لحظة ... وكيف لها أن تجدي ليت بعد كل تلك السنين؟
- أنا سأذهب ...
التفت إلى عارف وهو يقول جملته...
- وأنا أيضا سأذهب.
قررت ذلك بلحظات قليلة دون أي تفكير.
في الطريق لم يشغلني سوى أمر واحد: كيف سأواجه زوجتي بعد كل تلك السنين ...
*************
كانت ريتا متربعة على عرشها بثوبها الملائكي الأبيض ... كيف لي أن أضيع مثل هذه اللحظة مع أجمل ملاك ...
أهديتها قبلة وطوق كنت قد ابتعته لها ، ومضيت مسرعا بعدها خشية أن أرى أمها فتفتح في قلبي جرحا لم ولن يلتأم .
خطوت خطوات قليلة باتجاه المخرج وفجأة وقعت عيناي عليها ، التقت عيوننا لأول مرة بعد عشر سنين... اخترقتني بسهم لطالما أصاب قلبي ...
وكأن السنين لم تمضي ، وكأن ما حصل كان بالأمس ، وكأنها تقول لي الآن :
- أنا أو دخانك.
نظرت إلى سيجارتي بتمعن ، واستيقظت فجاة من غيبوبتي ، ولكأني لأول مرة أفهم كلماتها ، زوجتي أو دخاني ... حياتي أو موتي .
مضيت نحوها كالسائر رغم ارادته، وفي طريقي خلعت معطف الكبرياء الكاذب الذي أثقل ظهري طوال تلك السنين ، وببرود قاتل أطفأت سيجارتي أمام عينيها ، بينما قلبي يشتعل تماما مثل تلك السيجارة.
|