”
لم يُضم جنوب السودان بطريقة فعالة ولم يُدر بإحكام قبل حكم الاستعمار البريطاني وكان فتح الجنوب محض صدفة أملتها المصلحة الإستراتيجية لبريطانيا في مصر لتأمين المراكز الهامة للنيل الأبيض من القوى الإمبراطورية
”
وعلى النقيض، الجنوب خال من أي ثقافة ومنطقة مركزية واحدة. هناك تعددية في التجمعات العرقية الرئيسية والأكثر شهرة من الناحية الأنثروبولوجية هي النيلوتك والدينكا والنوير والتوبوسا واللاتوكا والزاندي والشلك. وكل واحدة من هذه الجنسيات أو التجمعات الثقافية المكتفية ذاتيا والمنعزلة لها لغتها الخاصة ومعتقداتها الدينية المختلفة. لكن الرمزية الثقافية النهائية للجنوب هي تكوين نخب مثقفة وقيادات سياسية. ولا ينبغي لأحد تحت أي زعم أن يعتقد أن العامة في أي دولة متحضرة هم الأوصياء على الثقافة الوطنية أو القيم الأصلية. ففي هذا السياق وكنتيجة تاريخية حتمية ترتبط ثقافة الجنوب السوداني بالمسيحية واللغة الإنجليزية والجنس الأفريقي: النيلي أو السوداني أو غير ذلك. وليس معنى هذا أن العناصر الأفروعربية أو الإسلامية واللغة العربية غائبة تماما في الجنوب. فمن الملاحظ أن هذه التراكيب الثقافية تحتل مكانة دنيا وليس لها الصدارة في الجنوب على أية حال.
4- التباين الاقتصادي والاجتماعي الإقليمي
يعزى التباين الاقتصادي لعدم التوازن العرقي والإقليمي بين المنطقة المركزية المسيطرة من ناحية، والمحيطات الخارجية من ناحية أخرى.
ففي المنطقة المركزية على سبيل المثال أنشئت السكك الحديدية بالتزامن مع البنى الأساسية الأخرى كالمؤسسات التعليمية وشبكات الاتصالات ومشاريع التنمية الحيوية. أما في المقابل فقد كان مستوى التنمية في مناطق المحيطات الخارجية أقل بكثير، وكان مستوى التعليم متدنيا للغاية وبالتالي لم تكن الوظائف الحكومية متاحة وخاصة على المستويين السياسي والإداري الأعلى.
وبعد الاستقلال أصبحت مناطق واسعة من السودان، وخاصة الجنوب والغرب وحتى الشرق، مهمشة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية. ومن ثم ظهر في الدولة نمط واضح من الطبقية الاجتماعية. فقد توافقت الثروة والسلطة والمكانة الاجتماعية مع الهوية العرقية والإقليمية. فكبار المسؤولين والضباط والمفكرين وغيرهم كانوا يميلون للتجمع في المناطق المركزية، وهذا الأمر ينطبق على شريحة كبيرة من سكان المدن ذوي الهيئة المتحضرة. في حين أن المناطق الخارجية كانت تضم تجمعات كبيرة من الأميين والرعاة ذوي الهيئة الرثة والسلوك الخشن.
لقد اتجهت سياسات الاستثمار العامة في السودان بعد الاستعمار إلى تعزيز هذا النمط من التشوهات الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي أدى إلى تركيز مفرط لمشروعات التنمية العامة والخاصة في المنطقة المركزية.
ثالثاً: وجهة نظر السودان
الموقف الرسمي للسودان تجاه الجنوب يمليه مسؤوليته الأولى للحفاظ على الوحدة الوطنية ووحدة أراضي الدولة. فمن وجهة نظر بناء الدولة، وضعت السياسات الوطنية وطورت لحماية الحدود الاستعمارية الموروثة بالإضافة إلى صهر الجماعات العرقية المتنوعة السائدة في المحيط الخارجي. ومن ثم تم ابتكار وتطبيق إستراتيجية من شقين: الأولى الاختراق الإداري ودمج الجنوب بطريقة تعزز قبضة المركز على المحيط الخارجي، والثانية، التزاوج الثقافي للرمزية الوطنية للغة العربية والإسلام في الجنوب، والذي يهدف إلى تجانس المجتمع.
أفضل طريقة لتصوير مصطلح المركز- المحيط الخارجي في السودان هي طريقة الانقسام الثنائي أي الشمال- الجنوب، التي وفقا لها غالبا ما تكون المجموعة العرقية أو العنصرية -التي استطاعت عبر التاريخ الوصول إلى مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن وقيادتها- واقعة تحت تأثير قوي لاستخدام نفس آلية الدولة لتعزيز هويتها الثقافية أو التحسينات الاقتصادية والاجتماعية. وهذه المجموعة العرقية أو العنصرية المهيمنة في السودان تتمثل في العناصر العربية والأفريقية المعربة والإسلامية، المؤتمنة نفسها على مهمة مراقبة عمليات بناء الدولة والأمة. ففي فترة ما بعد الاستقلال مباشرة واجهت هذه النخبة السياسية السودانية مهمة شاقة لفرض السيطرة السياسية الكاملة على المحيطات الخارجية. فالحكام الاستعماريون عموما لم يؤسسوا سلطة قوية على جميع الأراضي التي كانت تحت سيطرتهم الشرعية. وغالبا ما كانت مهمة سد الفراغ بين السيطرة الشرعية والواقعية توكل إلى الدولة التي تخلفها. وبالنسبة للحالة السودانية استتبع هذا الأراضي التي كانت محكومة بموجب قانون الولاية المغلقة لعام 1922، الذي شمل جبال النوبة، وخاصة من ناحية الجنوب. ومن الجدير بالذكر أن محاولة اختراق ودمج الجنوب خلال حقبة ما بعد الاستقلال مباشرة قد أثارت تمردا عنيفا مهد الطريق لأول حرب أهلية استمرت سبع سنوات، هي حرب أنانيا.
”
كانت الإدارة الاستعمارية تأمل أن تقوم الإرساليات التبشيرية بتوفير المصل الواقي من الاختراق الإسلامي للجنوب
”
لقد دعا منطق مشروع بناء الدولة والأمة إلى الاختراق الإداري في الجنوب، من خلال البنى التحتية الاجتماعية كالمدارس والمستشفيات والمساجد إلى آخره. على النقيض، هذه المؤسسات الحكومية المركزية نفسها كانت الواسطة التي من خلالها أصبح الجنوب مدركا تماما للتفاوتات المادية الموجودة به مقارنة بالمركز. وبالتالي، تدخلت المجموعة العرقية أو العنصرية المهيمنة بطريقة أكثر مباشرة في خط التصور الاجتماعي للمحيط الخارجي، الأمر الذي دفع المحيط الخارجي لإعادة تحديد هويته. فكانت الإدراكات الحسية المتباينة سببا واضحا في استياء مجموعة المركز المثقفة.
لم يسع المركز (الشمال) إلى إحكام السيطرة على الجنوب فقط، بل إلى نشر رمزياته الثقافية كاللغة والدين، أي، العربية والإسلام، مما استلزم سياسة استيعاب إجبارية. لكن يجب كبح المشروع التبشيري في الجنوب أولا لتمهيد الطريق للدعاية الإسلامية الرسمية. ولهذا السبب، اتخذ أول إجراء هام شكل تشريع قانوني في عام 1962 لقانون الجمعيات التبشيرية، الأمر الذي تطلب الحصول على تجديد سنوي لترخيص عمل الإرسالية، ومن ثم أصبح مخالفا للقانون تنصير الأفراد دون سن 18، وحرم تبني أو تربية الأطفال الأيتام واللقطاء دون إذن رسمي من السلطات المحلية. وإلى أن تم إلغاؤه في نهاية عام 1996 عقب زيارة قداسة البابا، كان القانون مصدرا ليس فقط للقيود الصارمة على عمل الإرساليات، لكنه كان أيضا مصدر سخط دائم حتى للكنائس الأهلية. فقد تم طرد الإرساليات التنصيرية نهائيا من الجنوب في فبراير عام 1964.
وعلى مستوى التعليم، فقد تم تأميم جميع مدارس الإرساليات المسيحية عام 1957، وأعقب ذلك إلزامية تعليم اللغة العربية في مدارس الجنوب، برغم أن اللغة الإنجليزية ظلت محتفظة بوضعها كلغة التعليم الأساسية إلى إن استبدلت باللغة العربية في بداية التسعينات.
على الرغم من سياسة الأسلمة والتعريب القسرية التي باتت سمة عامة في الجنوب كله خلال الستينات ثم في الثمانينات أصبحت غير مثمرة، لأن هذه السياسة كان لها تأثير عكسي أدى إلى اندفاع الشباب باتجاه قوات المعارضة الجنوبية في أنانيا والجيش الشعبي لتحرير السودان. كذلك فإن الإغراءات المادية والسياسية بقصد المشاركة الفاعلة للجنوبيين في النظام السياسي كانت أيضا واضحة في الآليات السياسية للنظام الحالي.
بالإضافة إلى هذه المجالات السياسية العريضة والمعروفة، فقد أدت سلسلة من العوامل المنفردة والعرضية في بعض الأحيان إلى أمر واقع سيئ واتفاقات ووعود مُخْلَفة من جانب النخبة المركزية الحاكمة، ولاسيما الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان من قبل العسكريين العاملين في الجنوب. هذه العوامل، منفصلة أو مجتمعة على الأرجح، أصبحت عوامل الدفع المحفزة والمذكية لنار الصراع المستمر. وعلى سبيل المثال، كان المظهر العام لوفود الجنوبيين غير المتمرسين سياسيا واضحا في مؤتمر جوبا عام 1947، حيث كانت وفود الجنوب مكونة من الزعماء والموظفين أنصاف المتعلمين مقارنة بوفود الشمال من المتعلمين والمتمرسين.
إن فهم الجنوب لنظرية مؤامرة الشمال لتسليم زمام الأمر للمؤسسة العسكرية في مراحل صعبة يمر بها الجنوب تتطلب صياغة منصفة للمشاركة في السلطة لتقديم مظالمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهذا حدث ثلاث مرات: في 17 نوفمبر 1958، 25 مايو 1969، وفي 30 يونيو 1989، عندما كانت الحكومة العسكرية هي المهيمنة.
رابعاً: محاولات اتخاذ قرارات
قامت عدة مبادرات سلام داخلية وخارجية بهدف إنهاء الصراع في الجنوب، ولكن دون جدوى. وسنعرض فيما يلي ثلاث محاولات سلام فقط وأسباب فشلها. الأولى، كان هناك في البداية اتفاق سلام ناجح لإنهاء الحرب الأهلية الأولى أو أنانيا. والثانية، مبادرة السلام في 16 ديسمبر 1988. والثالثة، إعلان المبادئ الموقع في أسمرا برعاية وكالة التنمية بين الحكومات (إيجاد)، وهي المنظمة (المظلة) لدول شرق أفريقيا. وقد توسطت في عملية السلام هذه الكنائس المسيحية وإمبراطور إثيوبيا السابق هيلا سيلاسي.
1- اتفاق أديس أبابا عام 1972
إثر الانقلاب العسكري في 25 مايو 1969، استطاع نظام جعفر نميري إقصاء كل مراكز القوى في شمال السودان. وقد شمل هذا حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديمقراطي والشيوعيين. ومنذ ذلك الحين أصبح النظام يعتمد بشكل متزايد على دائرة انتخابية قوية في الجنوب، شكلها النظام بعد إبرام اتفاقية سلام مع قيادة أنانيا في أديس أبابا في فبراير/ مارس 1972. وقد رعى عملية السلام هذه مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس كل أفريقيا بالإضافة إلى الإمبراطور هيلا سيلاسي.
أنشأت الاتفاقية شيئا أشبه بنظام فدرالي من السلطات المقسمة ونظام شبه فدرالي يضمن انفصال هويتها المسيحية والأفريقية بالإضافة إلى البيروقراطية الإقليمية. وتم تأخير أو تهدئة مطالب الانفصاليين إلى حين. وفيما بعد تم التوصل إلى تسويات تاريخية في مجالات الدين واللغة والثقافة وترجمت إلى المادتين 9 و 16 من الدستور الوطني لعام 1973. وتنص المادة 9 على أن العادات والشريعة الإسلامية هي مصادر التشريع الرئيسية. وأن الأمور الشخصية لغير المسلمين تخضع لقوانينهم الشخصية. أما المادة 16 فإنها تقر بالدور المهيمن للإسلام والمسيحية في الحياة الوطنية لشعب السودان، بينما تستوعب كذلك الجوانب الطيبة في المعتقدات الروحية الأخرى.
وهكذا لبى الاتفاق مطلبا جنوبيا عزيزا للاعتراف بوضعه الخاص. وتحقق سلام وأمن نسبيان داما لمدة 11 عاما، وكفلت كذلك حرية الحركة من وإلى الجنوب. لكن الصراع المسلح المرير والطويل مع المركز خلال الستينات أفرز نوعا من الوحدة العميقة بين الجنوبيين. وبعد انتهاء الحرب الأهلية وإنشاء حكومة إقليمية، بدأت الخلافات العرقية تبرز على السطح يغذيها الصراع على السلطة والتنافس على الامتيازات الاقتصادية والميزات الوظيفية المحدودة التي أتى بها الحكم الذاتي. وشكل قدر من التحديث والتحضر إطارا مثاليا للإحيائية العرقية ونمائها ونضجها. وساهم التأثير التراكمي في تقطيع أوصال الجنوب، بوضع إسفين عميق داخل الطبقات الاجتماعية والسياسية للجنوب السوداني، وأخص بذلك المثقفين. ومما لا ريب فيه أن السياسيين ذوي الدهاء على مستوى الحكومة المركزية تمكنوا بسهولة من الاستفادة من هذا الضعف الظاهر للجنوب، مستغلين التصدعات الداخلية لأقصى درجة ممكنة.
لكن الإلغاء النهائي للاتفاق والتصفية النهائية للحكم الذاتي في الجنوب يعزى لما وصفه سياسي شمالي بارز بقوله الضعف المتأصل في الاتفاق الموقع مع نظام أقلية غير شرعية في غياب ممثلي أغلبية السكان. ومنذ أن أصدر النميري، في يونيو 1983، قرارا من جهة واحدة لحل إطار الحكومة الإقليمية الجنوبية، وأعقبه في سبتمبر من نفس السنة فرض الشريعة الإسلامية، وقد انفرط العقد. ومع حلول شهر يوليو/ تموز وقع الجنوب في قبضة حرب أهلية جديدة، حرب الجيش الشعبي لتحرير السودان.
2- مبادرة السلام بين الحزب الاتحادي الديمقراطي والجيش الشعبي لتحرير السودان
استمر أمر تطبيق الشريعة الإسلامية الذي فرضه نظام النميري في سبتمبر 1983 يشكل عائقا رئيسيا للبحث عن السلام في السودان. فمنذ تجدد القتال في الجنوب، أخفقت جميع مبادرات السلام السابقة في هذه المسألة بالذات. ثم بدت بادرة أمل جديدة بتوقيع اتفاقية سلام مؤقتة بين الحزب الاتحادي الديمقراطي والجيش الشعبي في منتصف نوفمبر 1986. وفي ذلك الوقت وقع محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي -ثاني أكبر حزب في الحكومة الائتلافية المكونة من 3 أحزاب برئاسة الصادق المهدي الحزب الاتحادي الديمقراطي - اتفاق سلام مع الجيش الشعبي في أديس أبابا.
وفي حين أنها كانت تؤكد على الالتزام بالوحدة ووحدة أراضي السودان، دعت خطة السلام إلى وقف لإطلاق النار وتجميد العمل بالشريعة الإسلامية والإعداد لمؤتمر دستوري في 31 ديسمبر 1988. أما حزب الأمة -أكبر شريك في الائتلاف الحكومي- فقد رفض التصديق الفوري على خطة السلام. أما حزب الجبهة الإسلامية القومية، ثالث حزب في الائتلاف، والذي يتزعمه حسن الترابي، فقد شجب توقيع الحزبين الآخرين على الاتفاق ووصف المبادرة بأنها استسلام واضح من قبل الشمال. فمن وجهة نظر الجبهة، فإن هذا الاتفاق كان غير مقبول جملة وتفصيلا بسبب الفقرة الخاصة بتجميد العمل بالشريعة الإسلامية. وصرحت قيادة الجبهة بأن مشاركتها في الائتلاف الحكومي كان مرهونا بتطبيق الشريعة.
أم درمان
كان اتفاق السلام، الذي كان يرى أنه خطوة ناجحة لحزب الأمة الديمقراطي، كانت فرصة نجاحه قليلة. فقد أصدرت الجبهة الإسلامية تهديدا بالانسحاب من الائتلاف الحكومي إذا تم تبني خطة السلام. وبعد سلسلة من المناورات التكتيكية نجح الصادق في التفوق على مناورات الحزب الاتحادي الديمقراطي والجيش الشعبي. فقد أراد سلاما وفقا لشروطه. ثم طلب بعد ذلك من البرلمان منحه تفويضا لعقد مؤتمر دستوري لمناقشة مستقبل السودان، بما في ذلك مشاركة السلطة مع الجنوب، في الزمان والمكان الذي يختاره. وفي 21 ديسمبر صوت البرلمان بأغلبية ساحقة لصالح اقتراحه. وفي يونيو 1989، أجهض الانقلاب العسكري الذي رتبت له الجبهة الإسلامية بزعامة عمر حسن أحمد البشير عملية السلام.
3- خدعة الحكم الذاتي
منذ عام 1994 كان لمنظمة إيجاد دوراً بارزا في تسهيل عملية السلام والتوسط بين الحكومة السودانية أو ما يسمى بحكومة الإنقاذ من ناحية، وقوات المعارضة في المنفى المتمركزة في أسمرا بإريتريا من ناحية أخرى. وفي المقابل شكل الجيش الشعبي لتحرير السودان، وهو تنظيم لمتمردي الجنوب، بزعامة جون قرنق لب المقاومة المسلحة للتحالف الديمقراطي الوطني، وهو مظلة لجميع المعارضة السودانية في المنفى. وفي هذا الجو الذي تشكل فيه تحالف نادر للتضامن السياسي المتعارض عبر شطري الشمال والجنوب برز مبدأ الحكم الذاتي لأول مرة.
كان أول رد فعل لحكومة الإنقاذ هو رفضها لإعلان المبادئ الذي أصدرته إيجاد عام 1994 وشجبها لقرار أسمرا عام 1995 الذي اعتبرته خيانة للإسلام والسودان. وعلى أية حال، كان احتمال تجميد تطبيق الشريعة الإسلامية في البلد ومنح الجنوب حق الحكم الذاتي، إما بالوحدة أو انفصال الجنوب، بمثابة حرمان للإنقاذ. ورداً على ذلك، بدأ النظام الحاكم عملية سلام من الداخل قبل من خلالها بعض مبادئ أسمرا، التي شجبها من قبل، التي تتناول مسألة التطور السياسي وفقا لدستور جديد، وأبرمت اتفاق سلام في أبريل 1997 مع 7 جماعات وأحزاب جنوبية منشقة عن الجيش الشعبي لتحرير السودان. بل ذهب نظام الخرطوم أبعد من ذلك عندما حدد أن بإمكان الجنوبيين ممارسة الحكم الذاتي في استفتاء حر ونزيه تجريه لجنة خاصة برعاية منظمة الوحدة الأفريقية والجامعة العربية والأمم المتحدة والهيئات الدينية ومنظمة إيجاد والمنظمات الدولية غير الحكومية.
وللدلالة على أن الحكم الذاتي للجنوب كان مجرد خدعة، أن اتفاق الخرطوم للسلام عام 1997 لم ينفذ مطلقا، واضطر الدكتور ريك مشار، أحد الموقعين الجنوبيين البارزين على الاتفاق، إلى مغادرة البلد مرة أخرى في ديسمبر 1999 بسبب الإحباط الذي أصابه من التأخر الشديد في التنفيذ وعدم الجدية من جانب الحكومة المركزية. وكما قال الصادق المهدي أن الاستفتاء وفقا للشروط التي وضعتها الجبهة الإسلامية بهويتها العقدية الثقافية الضيقة ستؤدي لا محالة إلى التصويت على الانفصال ونشوء دولتين معاديتين لبعضهما. بالإضافة إلى أن اتفاق الخرطوم للسلام، مثل اتفاق أديس أبابا قبله، تحول إلى دستور غير ديمقراطي، خاضعا لتغيرات سياسية مستبدة مشابهة لأسلوب دستور 1973.
خامساً: توقعات المستقبل
تعتمد توقعات المستقبل للسلام والوحدة واستقرار الجنوب بصفة خاصة والسودان عموماً على سن وتنفيذ القوانين السياسية في 3 محاور رئيسية هي:
1- تداول السلطة: ابتكار هيكل فدرالي حقيقي للاهتمام أولاً بتداول السلطة،
وثانيا توزيع مصادر الثروة. لكن عدم وفاء الحكومة المركزية بتعهدها بقيام فدرالية عقب فترة ما بعد الاستقلال مباشرة أثار حربا أهلية طويلة استمرت 17 عاما. هناك إجماع عام بين علماء الدين أن الفدرالية وحدها هي الأداة الدستورية الملائمة لتلافي الانفصال واستيعاب التنوع العرقي والثقافي والإقليمي في مجتمع متعدد الأعراق والثقافات والديانات. فمنذ أكثر من 50 سنة لاقت فكرة الفدرالية رواجا وقبولا عاما في السودان، لكن التجربة الفعلية لها كانت أقرب إلى الخدعة.
الفدرالية بمعناها المقيد، هي خليط من الحكم الذاتي أو الاستقلال والمشاركة في الحكم على مستوى فدرالي أو وطني، ويوازي المصالح المحلية في مقابل المصالح الوطنية. في الحقيقة هي تطويق للتمثيل الإقليمي في عملية صنع القرار على المستوى المركزي. والتفسير الآخر للفدرالية هو أن المنطقة أو الدولة لها حقوق أو صلاحيات خاصة بها وحكومتها الخاصة، لكن في نفس الوقت، تعتبر بموجب القانون والدستور مشاركة في الحكومة الوطنية أيضا. وبعبارة صريحة، تعتبر الحكومة المحلية أو حكومة الدولة مقصورة على المركز، لكنها من الناحية القانونية عضو في الحكومة الوطنية أو الفدرالية. وبهذه الطريقة يتم حماية وصيانة مصالح الدولة.
2
المجاعة في السودان
- توزيع الثروة والمصادر الطبيعية
من أجل دفع عملية السلام للأمام وتعزيز العلاقات بين الشمال والجنوب يحتاج الأمر إلى صياغة وتبني قانون محدد في الدستور الفدرالي لتداول الثروة، خاصة بعد التنقيب عن البترول واكتشاف كميات كبيرة منه. ويجب عدم النظر إلى عائدات النفط المحصلة من حقول النفط الجنوبية على أنها لتعزيز ومن ثم تخليد الآلة الحربية أو المساعي المبذولة في هذا الاتجاه. ومن الواضح أن معظم الفدراليات الهامة في العالم( باستثناء أميركا) مثل كندا ونيجيريا وأستراليا لديها قوانين لتوزيع النفط والثروة المعدنية. وحان الوقت لأن يفعل السودان نفس الشيء.
3- الثقافة: اللغة والدين
إن تقليل التوترات في العلاقات الثقافية بين المركز والمحيط الخارجي السوداني ، أي الشمال والجنوب، من خلال مشروع السلام ودعمه سيكون شرطا أساسيا لسلام دائم. ومن المهم هنا مراعاة جانبين ثقافيين هامين هما: اللغة والدين. فبادئ ذي بدء، ليكن معلوما أنه في أي دولة حديثة ينبغي التمييز لا محالة بين اللغة الرسمية واللغة المحلية. فأساسيات بناء الدولة تميل إلى فرض مستوى ما من ثنائية اللغة على رعايا أي طائفة إقليمية في العالم الثالث. وغالبا ما تكون إحدى اللغتين للتفاعل داخل محيط هذه الطائفة واللغة الأخرى للاتصال عبر مسافة أطول. وكما يصوغها أحد الخبراء بعبارته اللغة الأولى هي لغة المنزل ومحيط الصداقات المحلية، واللغة الثانية للتعاملات الأخرى في الأسواق وشبكات الاتصال الخارجية وهيئات الرقابة والإدارة. ووضع اللغة العربية كلغة رسمية ولغة الاتصالات الداخلية هو المسيطر ولا جدال في ذلك. ولا يزال الكثير من الأفارقة السود في السودان، أهل الجنوب بالدرجة الأولى، برغم اكتسابهم وتمكنهم من اللغة العربية، لا يزالون يفتخرون بالحفاظ على لغتهم الأم، وهذا ما ينبغي أن يكون.
الموقف مختلف كليا بالنسبة للدين، خاصة عندما يربط بالدولة. وبرغم حساسية الموضوع، لا مناص من مناقشته. لأن روح الأخذ والعطاء أمر ضروري هنا. فبما أن الجنوب بما له من خصوصية بأرضه المغلقة وترامي أطرافه وتخلفه الاقتصادي وصعوبة الوصول إليه لا تكفل انفصاله، كذلك لا ينبغي للشمال أن يصر على تطبيق الشريعة الإسلامية فيه. فالأمر إما فصل الدين والدولة لاستيعاب الجنوب أو انفصاله، وهذا أمر غير مرغوب. وبعبارة أخرى إن دخول الجنوب في عضوية الدولة القومية الفاعلة ينبغي ألا يكون معتمدا على اعتناق الدين الإسلامي.
_____
* استاذ مساعد بقسم العلوم السياسية-جامعة الخرطوم.
المصدر : الجزيرة