لن تكون انتفاضة غزة هي آخر انتفاضة للمجتمع الفلسطيني ـ مجتمع الصبر والجهاد مجتمع الرباط والشهداء مجتمع الحرية والشموخ ـ ولكنها تتميز بأنها انتفاضة على الداخل الفاسد؛ انتفاضة على الذات؛ بل إنها توافقت مع شيء من المعنى اللغوي للانتفاضة وهو انتفاضة المحموم من حمته ومرضه والمريض يرتاح بتقيؤه وإخراج الفاسد من جسمه ودمه، أو استئصال العضو المريض ليستقيم الجسم ويتعافى، فالانتفاضة هنا أمر صحيح ومشروع.
وليس من المبالغة القول بأن المسلمين في كل مكان يراقبون الأحداث الجارية على أرض فلسطين والحزن يملأ قلوبهم على شعبها وأبنائها وحكومتها المحاصرة والخوف على مصيرها والغضب على اليهود والأمريكان ومن ينفذ أهدافهم في داخل فلسطين أو خارجها.
وطالما استمر وجود الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني، واستمرت تداعياته وامتد التعاون معه فإن مسيرة الرفض والتصدي له ومقاومته ستبقى متواصلة وإن تخللتها فترات من الهدوء بل والسلام، إن انتفاضة غزة تجعلنا نعيش ـ مسلمين وعرباً وفلسطينيين ـ لحظات تاريخية ـ ولا تقاس اللحظات التاريخية بساعات وأيام معدودة ـ فهي مفصل تاريخي جديد في ضوء ما آلت إليه عملية التسوية من فشل وما أحرزته السلطة من انتكاسة على كافة الصُعد في توجهاتها وأهدافها وتصرفاتها وإنجازاتها ليس على المستوى السياسي والعلاقات الخارجية وتوجهاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية بل وعلى المستوى المدني الفلسطيني وحقائق ممارساتها مع الشعب الفلسطيني ولذلك سيكون لهذه الانتفاضة بصماتها الواضحة على مسيرة الصراع مع العدو الإسرائيلي ليس في بعده الفلسطيني فحسب ولكن في بعده العربي والإسلامي أيضاً...
منذ إقامتها ـ بموجب اتفاقات أوسلو ـ تواصل السلطة الفلسطينية إجراءاتها السلبية تجاه المجتمع المدني الفلسطيني فباتت تهدد أمنه ورزقه وانتماءه وحريته بل تهدد دينه وشرفه وعرضه وكرامته ـ وإن كانت في عهد عرفات أكثر حكمة واتزاناً في توجهها وممارساتها منها في عهد عباس و دحلان ـ وكل هذا؛ ليَشعر المواطن الفلسطيني بقيمة السلطة الفلسطينية ويستمر في احتياجه إليها واعتماده عليها،فمارست قمع الحريات في الممارسات الدينية التعبدية والتعبير وعذبت بالهيئة والممارسات والهويات والانتماء، ولقد تجاوزت سلطة عباس الأوسلوية ممارساتها لتطال مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني التي ساهمت بشكل كبير في توفير متطلبات المجتمع وتعزيز صموده وثباته واستقلاليته عن مجتمع الاحتلال. وانتهكت مقومات الحقوق الإنسانية البسيطة وسط تعتيم إعلامي شامل بلغ حد التواطؤ،بحجة عدم إضعاف عمليات التسوية السلمية واعتدت على الرموز والقيادات واغتالت وحطمت ضمن إطار التعاون والتنسيق الأمني مع العدو الإسرائيلي المحتل بل حتى مع الأمريكي وأرشدت ودلت على القيادات والرموز من عناصر المقاومة ـ بكافة فصائلها ـ بل واعتقلتهم وسلمتهم للعدو؛ وامتد تعاونها لتقوم بالمخابرة والتجسس على الدول العربية والإسلامية لصالح أعدائهم .. وكانت لهم اجتماعاتهم ولقاءاتهم العملية مع عناصر المخابرات الإسرائيلية والأمريكية؛ كل هذا ضمن عملية الانحدار والتنازل السياسي.
والإشكالية التي تؤثر على استقرار المجتمع الفلسطيني وصموده في مواجهة الاحتلال هي أن الفصائل والحركات الفلسطينية ـ بمختلف اتجاهاتها ـ تعيش وتمارس حالة من التناحر والتضاد مع أن رؤية جميع الفصائل المعلنة والنهائية لها هي تحرير فلسطين أو إقامة الدولة الفلسطينية ـ فقضيتهم واحدة مع اختلاف أيدلوجياتها ـ ففي الوقت الذي يجب أن يكون فيه تنسيق وتوازن وتكامل وتعاضد في المواقف والبرامج فيما بينهم إلا أنهم يمارسون سياساتهم بإنفرادية وانعزالية وأنانية وتضاد يضر بمصالح القضية والشعب الفلسطيني،بل بات الحرص على لقاء العدو ـ سريا وعلنياً ـ والاهتمام بمصالحه والحوار معه من قبل بعض الأطراف والفصائل أكثر من الحرص على الحوار مع الشركاء والأشقاء ورفقاء القضية مما يؤثر على مسار القضية وهم يسعون إلى ذلك للظهور بمظهر الاعتدال والواقعية السياسية والتعايش السلمي بين الدولتين والشعبين في مقابل أطراف أخرى إرهابية ومتطرفة لأنها تتبنى خيار المقاومة ولا تقدم تنازلات؛ هذا إن لم نقل أن هذه التصرفات ـ التي تؤثر على القضية ـ ليست مرتبطة بمصالح شخصية ومكاسب ذاتية أو مستندة إلى العمالة والارتباط الدوني الحقير بالعدو.
إن الإجماع الشعبي الوطني الإسلامي والعربي والفلسطيني على مواجهة العدو الإسرائيلي ورفض التعايش والانسجام معه يدفع جميع القوى والفصائل بمختلف اتجاهاتها ومسؤولياتها إلى الاتفاق والتوافق والوقوف صفا واحداً ضده وهذا لا يعني اتفاق وتوافق البرامج السياسية لهذه القوى ولكنها توظفها لتستفيد منها بما يعزز توجهاتها ومواقفها وبرامجها السياسية.
وحركة المقاومة الإسلامية حماس منذ تأسيسها عُرفت بالاعتدال والوسطية والاتزان في ممارساتها السياسية والعسكرية ورعايتها لمصالح القضية الفلسطينية ومضيها قدماً في المقاومة والجهاد واستطاعت ـ بفضل الله تعالى ـ أن تتجاوز عقبات كبيرة وكثيرة جداً وأن تقدم تضحيات ضخمة لا تُنكر سواء على مستوى قياداتها أو على مستوى أفرادها ـ كباراً وصغاراً رجالاً ونساء ـ فرسمت منهجاً تجاوزت فيه منعطفات خطيرة وحددت لها حدوداً لا تتجاوزها لتكون متفرغة لقضيتها الأساس ـ قضية فلسطين ـ فلم تتورط في صراعات داخلية ولم ينشأ فيها ـ بفضل الله تعالى ـ نزاع داخلي ولم تتورط مع الفصائل والحركات العاملة في داخل فلسطين في صراعات تحيد بها عن هدفها الأسمى وهو مقاومة العدو وتحرير فلسطين، كما تجنبت مزالق كثيرة أُريدَ لها أن تقع فيها بالدخول في صدام مع السلطة الفلسطينية ـ منذ نشأتها ـ مع كثرة استفزازاتها لها ومؤامراتها عليها وعلى الرغم من ذهاب عدد من أبنائها ضحية لمثل هذه المؤامرات ومع ذلك تجاوزتها حركة حماس بحكمة وعقلانية وواقعية تهدف إلى تحقيق مصالح عليا للقضية الفلسطينية كما أن حركة حماس لم تتورط في عمليات خارج فلسطين ولم تسع لنقل مواجهاتها مع العدو إلى خارج حدودها وخاصة الدول العربية والإسلامية فلم تنزلق إلى ما كانت تفعله بعض الفصائل الفلسطينية سواء الشيوعية أو العلمانية حيث أساءت تلك للقضية الفلسطينية إساءة بالغة بنقلها للمواجهة إلى خارج فلسطين وطالت أهدافاً كان يمكن أن تكون لصالح القضية أما حماس فقد حصرت عملياتها وجهادها ونشاطها داخل فلسطين ولأجلها وهذا من السياسة الشرعية وحكمة القيادة ومن حسن الرؤية وبعد النظرة الواقعية وتغليب المصالح مما يعد دليلاً على وجود قيادة فذة وما تتميز به من نبوغ وسياسة حكيمة وتوازن المواقف.
وقد أعلنت حماس منذ انطلاقتها ومنذ قيادتها للانتفاضات الشعبية الفلسطينية أن الجهاد هو طريقها الوحيد لتحرير كل فلسطين وفي مقدمتها القدس والمسجد الأقصى ومضت في ذلك عملياً وقدمت التضحيات التي لا ينكرها منصف ولا شك أن الجهاد هو الطريق الوحيد لعودة فلسطين وما عداه من الطرق ليس إلا وسيلة لإعداد النفس والتقوِّي والتزود والإعداد للجهاد بالنفس ولا يمكن أن يخرج اليهود من فلسطين إلا أن يُخرجوا؛ ولن يُخرجوا إلا بالجهاد،بل سيقتلون ـ بإذن الله ـ كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله"
وتميزت حركة حماس بفصلها بين الجانب السياسي والجانب الجهادي في قياداتها ومواقفها وممارساتها فجعلت للجهاد والمقاومة قيادة مستقلة وجعلت للجانب السياسي الإعلامي قيادة أخرى مستقلة، مع تنسيقها بين هاتين القيادتين.
وجعلت حماس من مبادئها وأسس منهجها ومواقفها عدم الاعتراف بدولة إسرائيل أو الاعتراف بحقها في الوجود وإقامة دولة لهم على أرض فلسطين فلم تقبل مساوماتهم سواء للاعتراف بدويلتهم أو التنازل عن جزء من أرض فلسطين وهذا موقف لا يحق لها أن تتخذ غيره ولو أخذت غيره لفقدت الأصل الذي من أجله قامت ولأحرقت أوراقها وأهدرت الشرعية التي تسندها وقد قدمت حماس للمحافظة على مبدئها التضحيات الضخمة وواجهت الصعوبات والعقبات واستطاعت أن تتجاوزها ـ بتوفيق الله وإعانته ـ وينبغي أن يُعلم أن حماس تتخذ منهجاً مرحلياً في عملها وترتب سياساتها وفقاً للمصالح وأولويات العمل والمقاومة فهي تعلن أنها ترغب قي إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أراضي 67 وتقبل بالهدنة ولكنها لا تتنازل عن المطالبة والمقاومة والجهاد ولا تركن بل تعد عدتها وتبني كوادرها وتجهز احتياجاتها لتصل إلى كل أرض فلسطين فهي لا تتنازل عن شبر واحد من أرض فلسطين، كما أنها اعتبرت حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم واستعادة القدس وسلامة المسجد الأقصى وإطلاق سراح الأسرى أمراً لا يمكن التنازل عنه بحال.
إن حكومة حماس الأولى والثانية ـ حكومة الوحدة الوطنية ـ والتي حظيت بشرعية مطلقة اكتسبتها من اختيار الشعب لها لأنهم اختاروا منهج الإسلام لوجودهم وتصرفاتهم مع العدو بل إن فرحة المسلمين بانتخابها وفوزها بالحكومة ـ مع إشفاقهم وخوفهم على مصيرها من أعدائها ـ تمثل شرعية أعمق وأبعد وأقوى لأن فلسطين حق لكل المسلمين ومن خلال تتبع مسيرة فوز حماس وإقامتها للحكومة وقراءة ومتابعة الأحداث والمواقف التي واكبتها حتى قامت انتفاضة غزة فيمكننا أن نلاحظ ما يلي:
أولاً: ليست انتفاضةُ غزة انتفاضةً على العدو الإسرائيلي البائس وليست حدثاً عابراً من أحداث الصدامات السياسية أو صدامات العنف بل إنها انتفاضة على الداخل إنها رفض وقمع لخيانة الأمانة ـ أمانة الولاية والرئاسة ـ والتسلط والظلم ونزع الأمن، ولذا فإن التعامل مع انتفاضة غزة والحكم عليها يستدعي دراسة وفهماً وحكمة ورؤية تطول أسبابها الحقيقية وتنفذ إلى جذور المشكلة بحيادية تحقق انتصار الذات ودعم مصلحة الصمود والجهاد لتحرير الأرض المباركة،إن محاولات تطويق انتفاضة غزة بالعنف المضاد أو الانحياز إلى أحد الفريقين ضد مصالح القضية العليا سيؤدي حتماً إلى زيادة اشتعال المشكلة وانتشارها لتمتد إلى كل فلسطين فتتحول إلى صراع داخلي وتنافس على الأراضي والولايات وتعزيز وتكريس لتفتيت فلسطين ووحدة قضيتها فانتفاضة غزة لم تشتعل للاستيلاء على الحكم أو الانتصار على الفريق الآخر أو تحقيق مكاسب فردية وإنجازات سياسية تضر بمصالح القضية وإنما اشتعلت ضمن شرعية الولاية ومسؤولية الأمانة اشتعلت امتداداً لحلقات مواجهة الانحراف والفساد الإداري والأمني في غزة وكانت نتيجة لاستفزازات وممارسات هي اعتداء على الشرعية وحدود السيادة وولاية الأمر استجابة وطاعة وولاء للعدو فهي إذاً اندلعت وقامت لتصحيح المسيرة والاتجاه ليس على مستوى الفكر والتصورات بل لتصحيح الممارسات وفضح المؤامرات وتعزيز الشرعية وتأكيد المسؤولية قامت رفضاً للانقلاب ورفضاً للخيانة وعزلاً للجاسوسية والتآمر.
ثانياً: إن أحداث الاقتتال والصراع الداخلي بين حركتي فتح وحماس ـ منذ بدايته وقبل اتفاق مكة ـ أكد على الارتباط العضوي لفلسطين عربياً وإسلامياً وهو ارتباط حتمي لأصالته الشرعية والتاريخية والاجتماعية، وزادت انتفاضة غزة هذا الارتباط قوة ومصداقية وانتماء ليس على المستوى الشعبي فحسب بل وعلى المستوى الرسمي أيضاً فبادر الحكماء من القادة العرب والمسلمين إلى بيان البعد الاستراتيجي لتأثير انتفاضة غزة على الأمن العربي والإسلامي ودعوا للمصالحة وأبدوا رغبتهم بالوساطة وحذروا من الممارسات السلبية للسلطة وردود فعلها غير المتزنة في التعامل مع انتفاضة غزة وحكومة الوحدة الوطنية وحركة حماس وانتقدوا تعنتها ورفضها للحوار واللقاء معهم،وتجنيها واتهامها لحماس، وطالبوها بتغليب مصالح الشعب والقضية والحرص على وحدته وتماسك صفه فيما تحاول السلطة ورموزها الارتماء في أحضان العدو والتقوي به ضد حماس والحكومة الشرعية للشعب الفلسطيني.
ثالثاُ: إن حماس سعت منذ فوزها في الانتخابات وتكليفها بتشكيل الحكومة إلى أن تكون حكومة وحدة وطنية فطالبت الفصائل الفلسطينية كافة بالمشاركة معها في الحكومة، وهذا يؤكد أنها لا تسعى للحكم لذاته ولا لتحقيق مكاسب ذاتية لها أو لأفرادها ولكن تعنت الأطراف كافة ومستوى اشتراطاته ـ وخاصة حركة فتح ـ لم تمكنها من إقامة حكومة وحدة وطنية فبادرت وتحملت المسؤولية وشكلت حكومتها بمفردها وواجهت الحصار الداخلي قبل الحصار الدولي فلم يجتمع عباس مع حكومته ولم يشاركهم أعمالهم ولم يعقد لقاءاته معهم وأكد على عزلهم دولياً فلم يشرك أياً من وزرائه في أي وفد رسمي يمثل السلطة ولو في زياراته للدول العربية واكتفى بأعضاء فتح ومنظمة التحرير ولم يساهم في دعم الحكومة لدى الدول خاصة الإسلامية والعربية وعارض قرارات الحكومة ولم يعتمدها ليسهل عليه الطعن في دستوريتها وصحتها.... وهو بذلك يشل حركتها ويحجم إنجازاتها،والمعلومات تؤكد أن هناك تفاهمات بين سلطة عباس والحكومة اليهودية وبعض الأطراف الدولية بشأن عزل حماس وتآمر سلطته مع العدو الإسرائيلي على ممثلي حماس في التشريعي من خلال اعتقال 35 نائباً منها لشطب أغلبيتها في التشريعي وشل قراراتها،ومارست سلطة عباس وزمرته حرباً إعلامية على حركة حماس وحكومتها ضمن خطة ركزت على إبراز حماس كحركة إرهابية متطرفة عاشقة لسفك الدماء وعاجزة عن الوفاء بمتطلبات الشعب وتحقيق الرفاهية له وحرضوا على العصيان المدني والمطالبة بالرواتب التي ساهمت السلطة في تطور هذه المشكلة من خلال مصادرتهم لأموال الدعم التي حصلتها حكومة حماس وحاولت إدخالها إلى غزة مع وزرائها واتهموهم بالتهريب وتمويل الإرهاب وهم يعلمون تماماً أن أموال الشعب الفلسطيني ومقدراته استولت عليها زمرة أوسلو وكنا نتمنى من حكومة حماس لو كشفت ملفات الفساد التي تورط فيها أركان السلطة.
رابعاً: انتفاضة غزة كانت حدثاً منتظراً وهو وإن كان مفاجئاً في التوقيت والنتائج إلا أنه كان متوقعاً في ظل التراكمات التي أحدثتها الأجهزة الأمنية في قطاع غزة منذ تشكيل حماس للحكومة الأولى وتزايد الاعتداء على شرعيتها والتطاول عليها ومنعها من ممارسات سلطاتها في المجالات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية ومحاولات القضاء على شرعية المقاومة والجهاد ووصفها بالإرهاب والتطرف والتعنت معها،ضمن مخطط معد ومدروس لإسقاط التجربة الديموقراطية الأولى في فلسطين في ظل الحصار الدولي عليها والتعاضد معه ـ من عناصر السلطة وغيرهم ـ في مواجهتها والاعتداء عليها. وجاء اتفاق مكة ـ حرسها الله برعاية من خادم الحرمين الشريفين ونداؤه القلبي الحار ـ ليقطع مخططهم ويحاصر مؤامرتهم، ولكن لم يرض الانقلابيون بنتائجه وسعوا لإفشاله فبدأ نقضه منذ تشكلت حكومة الطوارئ إذ أخذ ممثلو فتح فيها بالتطاول على حماس وعلى أعضاء الحكومة من ممثلي حركة حماس ومحاولات إفشال جهودها وإبرازها بالعجز والضعف والتخاذل،ومارست الأجهزة الأمنية اعتداءاتها على الحريات وانتهاك الحرمات والمحرمات وتزايد الانفلات الأمني الذي تدعمه أطراف لها مصالح وارتباطات مشبوهة وتطاولوا على المؤسسات الاجتماعية والحكومية وأعضاء حماس ... وغير ذلك من الممارسات التي تهدد الأمن والاستقرار،فإن لم تتم هذه الانتفاضة من قبل الحكومة الشرعية ممثلة في حركة حماس لحدث الانقلاب من عناصر العمالة من حركة فتح على الشرعية بدعم ورعاية من العدو وبعض الأطراف الدولية التي لا تريد النجاح لتجربة حماس كحركة إسلامية وليكون انقلاباً على المصالح الإسلامية والعربية والفلسطينية بحجة أن حماس حركة إرهابية وتوجهاتها متطرفة وغير سلمية لأنها ترفض التنازل لإسرائيل والصلح معها.
لقد مارست حماس سلطاتها وأدارت حكومتها في أروع نموذج فمارست مهامها من مسؤوليتها عن كل أبناء الشعب الفلسطيني فكانت حكومة لحركة فتح وحركة حماس حكومة للفصائل كلها وللشعب كله،وفي الوقت الذي منعت الأموال عنها سعت لإدخالها بكل الوسائل فيما سعت أطراف في فتح لمنع دخول الأموال وهي قادمة في واقع الأمر لأبناء فتح الذين تم توظيفهم طوال الفترات السابقة يوم أن كان ينحى أبناء حماس من قبل فتح. لقد التزمت حماس بالثوابت والحقوق وحافظت على الوحدة الوطنية وعلت على الأحقاد ولم تفتح السجون للمخالفين رعت المقاومة وكانت مظلة للمجاهدين والمقاومين وحمت ظهورهم ولم تصادر السلاح الموجه لليهود استطاعت أن تحقق العديد من الانجازات وضحت قبل أن تحكم وبعد أن حكمت ولكم أن تسألوا سجون اليهود عن وزرائها ونوابها وشواطئ تل أبيب عن أولئك المتآمرين.
إن انتفاضة غزة جددت شرعية انتخاب حركة حماس لقيادة القضية الفلسطينية ورعاية مصالح شعبها ليس من الشعب الفلسطيني ولكن من كافة الشعوب الإسلامية والعربية التي أعلنت وفرحت واستبشرت بهذه الانتفاضة وما حققته في الانتصار على التيار الخائن والانقلابي في حركة فتح فحركة حماس انتخبت لأنها من رحم المقاومة ومن صلب الشعب الفلسطيني.
خامساً: كان الملف الأمني ووزارة الداخلية ووزيرها وصلاحياته نقطة ضعف حكومة الطوارئ التي زادها الرئيس الفلسطيني ـ أبي مازن ـ ضعفاً بتخاذله أمام بعض العناصر الفتحاوية ومحاولته تركيز الصلاحيات والمسؤوليات الأمنية في يده وأيديهم وسحب الصلاحيات من وزير الداخلية بغض النظر عن مسؤولية الحكومة في ممارسة صلاحياتها عبر وزير الداخلية في حفظ الأمن والنظام العام وهذا ما أكده القواسمي في استقالته من أنه لا يمكن أن يكون وزيراً للداخلية ومسؤولاً عن الأمن بدون صلاحيات بل إنه يجد معارضة ممن يفترض فيه أن يخضع لقيادته ويندرج تحت مسؤولياته فرشيد أبو شباك مدير الأمن كانت له صلاحيات ودعم يمكنه من رفض تنفيذ قرارات الوزير أو معارضتها عملياً، مما يهدد الأمن والنظام العام.
لقد قدم عباس استقالته من رئاسة الحكومة في عهد عرفات بسبب مركزية أبي عمار وسيطرته على الأجهزة الأمنية وتبعيتها له ورفضه لنقل صلاحياتها إلى الحكومة ممثلة في رئيسها وفي وزير الداخلية، وللأسف أن عباس يعيد هذه التجربة الاستفزازية مرة أخرى مع حكومة حماس وحكومة الوحدة الوطنية ضمن مخطط مشبوه لإفشال جهود حماس في قيادة الحكومة وإبرازها بصورة العاجز والضعيف الذي لا يمكنه تحقيق الأمن بل إنه يعد داعماً للإرهاب والتطرف.
سادساً: إن حكومة الوحدة الوطنية نفذت انتفاضة غزة من خلال مسؤوليتها الشرعية ضد الفساد والانحلال لتمنع مؤامرة إسقاط الشرعية الفلسطينية وإجهاض المقاومة والجهاد كحق شرعي لاستعادة الأرض والكرامة ولترفض استمرار التبعية والتنازلات الرخيصة والدونية للعدو الإسرائيلي ولتكون حاجزاً أمام استغلال وسرقة مقدرات وثروات الشعب الفلسطيني من قبل زمرة متآمرة متنافرة مع الوطن ولا تشعر بانتماء إلا لمصالحها الذاتية التي اكتسبتها من عدو الأمة، ولتمنح الشعب الفلسطيني الحرية والأمان في حياته وممارساته الوظيفية والدينية ولتقوي مؤسساته المدنية والاجتماعية على الإنتاج والإنجاز والصمود لتكون عوناً للمواطن في مقاومته فيصبر ويقوى، فاتجهت نحو المؤسسات الأمنية والعسكرية وأفرادها المتآمرين والخاضعين لهم ممن أشعلوا وغذوا الفلتان الأمني من خلال قوتها التنفيذية ـ الذراع العسكري والأمني لوزارة الداخلية في الحكومة الشرعية ـ وكتائب عز الدين القسام ـ الذراع العسكري لحماس ـ ولم تهاجم المؤسسات المدنية والاجتماعية ولا المنازل ولا المسالمين ولم تعتقل جماعياً ولكنها واجهت واعتقلت من قاومها ورفض الخضوع للولاية والشرعية وتمرد عليها وارتضى لنفسه أن يكون مع المتآمرين،وحكومة حماس ـ الوحدة الوطنية ـ إذ انطلقت في ذلك من شرعيتها ومسؤوليتها في الحفاظ على الأمن ومحاربة المارقين والانقلابيين فهي كذلك استخدمت قوات شرعية حكومية إأتمرت بأمرها وخضعت لولايتها وقيادتها وتحملت أمانة الوطن والمواطن، أما الأجهزة الأمنية التي جعل عباس ولايتها له؛ ودعمتها وجهزتها جهات دولية لتحارب حماس والشعب والوطن فلم تكن خاضعة للحكومة ولا الشرعية ولم تنقاد لها بل كانت تشق عصا الطاعة وخانت الأمانة وهددت الوطن والمواطن ومن هنا كانت حتمية المواجهة معها ولذا فإن إنجاز حماس في غزة يعد انتصاراً ليس لحماس فقط بل لكل الشعب الفلسطيني ولكل الأمة الإسلامية، والمطالبات الموجهة لحماس بإعادة الوضع كما كان سابقاً قبل انتفاضة غزة وتسليم الأجهزة والمقار الأمنية للسلطة لا يعد هزيمة فقط بل يعد جريمة في حق فلسطين والشعب الفلسطيني إلا أن يتم من خلال إعادة الترتيب والتنظيم الأمني في ظل ضمانات عربية وإسلامية.
وما حصل من ممارسات سلبية من بعض أفراد القوة التنفيذية وكتائب عز الدين القسام خلال الانتفاضة فقد اعتذر عنها قادة ومسؤولوا حماس وقاموا فوراً بتصحيحها واعتذروا عنها حماية للنسيج الوطني وإكراماً للشعب الفلسطيني.
سابعاً: في انتفاضة غزة كان سعي حكومة حماس المنتخبة هو إخضاع الأجهزة الأمنية للحكومة ووزير الداخلية وتطهيرها من عناصر الإخلال والفوضى والفلتان الأمني ومحاصرة التيار المتآمر على الوطن والمواطن، ولم تسع أبداً إلى الانقلاب على شرعية الرئيس الفلسطيني ومحاولة عزله والسيطرة على السلطة بل أكدت وأعلنت وأعلن قادة حماس أنهم يحفظون للرئيس حق شرعيته وتخضع هي كحكومة لولايته وتنصهر معه في سبيل تحقيق مصالح الوطن والمواطن والقضية ما دام مستنداً ومنطلقاً من الدستور وعاملاً لمصالح القضية والشعب، وهي كذلك تتمسك بشرعيتها التي اكتسبتها من الشعب وتستند إلى القوة التي منحها لها، فأعلنت فور إعلان الرئيس الفلسطيني حالة الطوارئ أنها حكومة تسيير أعمال وفقاً لما ينص عليه القانون الفلسطيني الأساس ومارست سلطاتها وسياساتها من منطلق المسؤولية والأمانة، ويؤكد ذلك أن حكومة حماس أعلنت عفواً عاماً عن كل أعضاء فتح وكل أبناء الأجهزة الأمنية ولم تلاحقهم وأفرجت عن المعتقلين منهم ومن قياداتهم ـ إلا من تأكد خطره ـ ودعتهم لممارسة دورهم ومسؤولياتهم الوطنية باعتبار انتمائهم لفلسطين بغض النظر عن انتمائهم السياسي والحركي.
ثامناً: كان المجلس الثوري لحركة فتح مجتمعاً في الضفة برئاسة عباس قبل عقد اتفاق مكة ليناقش قضية نقل المواجهات مع حماس إليها وكذلك قبل انتفاضة غزة وبالفعل اتخذت حركة فتح قرارها بنقل المواجهات إلى الضفة ومع انطلاقة انتفاضة غزة عزل عباس نفسه من رئاسة فلسطين كل فلسطين ومن رئاسة الشعب الفلسطيني كل الشعب الفلسطيني ليكون رئيساً فقط لفتح ورئيساً فقط في الضفة ـ وهذا منهجه الذي اتخذه منذ فوز حماس ـ في الوقت الذي كان يجب عليه أن يمارس دوره بحيادية مطلقة لصالح الوطن والمواطن ويبادر إلى احتواء الأزمة ويعزز الشرعية إلا أنه جدد انتكاسته على الشرعية فمارس سلطاته ليعزز انفصال الضفة عن غزة لتكون الضفة غنيمة لفتح تثأر فيها لكرامتها المهدرة فأعلن حكومة طوارئ غير حكومة تسيير الأعمال بل تجاوز حقه ومنحها الثقة بدون المرور على المجلس التشريعي فتأكدت عدم الثقة فيها رسمياً وشعبياً، وأعلن الحرب على المقاومة والمجاهدين وجعلهم مليشيات وسلاحهم غير مصرح، وأغلق مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات المدنية التي عززت صمود المجتمع الفلسطيني في وجه العدو، وتخبط وتضارب في قراراته ومواقفه وأقواله وتجاوز الشرعية وتلقى الدعم من الإسرائيليين والأمريكيين لمقاومة حماس وشرعيتها. واعتدى على حكومة الوحدة الوطنية وأشخاصها وقادة حماس ورفض الحوار معهم وتعنت واشترط وتطاول بل تجاوز ذلك وأعلن حربه على الإسلام واستعدى الدول العربية والدولية على حماس لأنها تريد إقامة إمارة إسلامية ظلامية حسب زعمه ... في الوقت الذي بادر فيه مسرعاً إلى عدوه وعدو الشعب الفلسطيني بل كل المسلمين ويصفه بالصديق والعزيز ويتحاور معه ويرجوه ذليلاً خائباً خاسراً ليستمرا معاً في رحلة السلام الخاسر الناقص وأن يبادرا إليه في هذا الوقت لمحاصرة الإرهابيين والقتلة والظلاميين؛.... عجباً ألا يكفي عباس أن أولمرت وكل من سبقه من قادة اليهود هم قتلة الشعب الفلسطيني ومنتهكوا حقوقه ومغتصبوا أرضه هل ما فعلته حماس من خلال شرعيتها في سلطة عباس أشد مما فعله الإسرائيليون غير الشرعيين في سلطته وأبناء شعبه ... أرجو أن لا يأتي اليوم الذي يتأكد لنا فيه روايات عدم انتماء عباس لفلسطين لأن تصرفاته توحي بعدم احترامه لفلسطين ومقدساتها وأبنائها ودمائها.
تاسعاً: أن السلطة الفلسطينية وهي تؤكد في جدل سياسي وعسكري واقتصادي أنها لن تتوقف عن استعدادها للتسوية والحل السلمي وفي كل جولة ينخفض سقف المطالبات الفلسطينية التي لا تحقق طموحات وآمال الشعب الفلسطيني ولا تستجيب للثوابت والأهداف الشرعية الوطنية ـ فما بالنا بآمال وطموحات وثوابت العالم الإسلامي والعربي الامتدادُ الأعمق والأقوى لفلسطين ـ وذلك بدءاً من إزالة إسرائيل وتحرير كل فلسطين إلى الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود والتعايش بين الدولتين والشعبين ومن ثم انخفضت المطالبات لتكون عاصمة فلسطين القدس الشرقية بدلا من كل القدس وحدود 67 للدولة الفلسطينية فضلاً عن التنازلات في حق اللاجئين في العودة والمستوطنات والحدود والتنسيق الأمني ... في مقابل ارتفاع سقف المطالبات الإسرائيلية بل والاشتراطات المسبقة من قبلهم،أضف إلى ذلك تأنيبها ولومها وشجبها إلى مقاومة الاحتلال سواء من قبل الفصائل والحركات الوطنية أو الشعبية أو الإسلامية بل وصفتها بالتطرف والإرهاب والجريمة ووصفها عباس بالحقيرة ... وهذا جعل عملها وخطابها وتوجهاتها السياسية تحت المجهر ليس الفلسطيني بل والإسلامي والعربي والدولي وهو ما جعلها وجعل أفرادها تحت الاتهام والشك، بل إن الحد الذي توقف عنده عرفات باتت السلطة الحالية مستعدة لتجاوزه وإعطاء المزيد من التنازلات.
عاشراً: إن إسرائيل ـ ومن خلال برامجها السياسية لحزبيها الليكود والعمل ـ تتنافس على المزيد من التهرب والتصلب والتطرف إزاء الفلسطينيين سواء سلطة أم شعباً وهي غير مستعدة لتقديم تنازلات تناقض استراتيجياتها وأولوياتها في الوجود والتأثير.
حادي عشر: أن السلطة الفلسطينية وهي منظمة التحرير الوطني الفلسطيني ـ وحركة فتح هي المؤثر الأكبر فيها ـ لا تفتأ أن تؤكد أنها صاحبة الحق الأوحد في القضية ـ استناداً إلى قرار مؤتمر القمة العربية ـ ولها الإرادة الوحيدة في حل القضية متجاهلة في ذلك عمق القضية في اتجاه العالم الإسلامي والعربي، وأن تفويضهم كان في فترة معينة لم يكن للشعب الفلسطيني فيها حق في استفتائه في تفويض منظمة التحرير الوطني الفلسطيني لتكون الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بل لتكون مندوبة عن كل العالم الإسلامي في قضية فلسطين.
ثاني عشر: العدو اليهودي يغطي جريمته وينطلق في مواقفه من بعد ديني فيعبئ اليهود في المجتمع الإسرائيلي وفي مختلف أوطانهم الغربية على شعار إعادة بناء الهيكل ويسمي الحرم القدسي الشريف جبل الهيكل، ولا يمل قادته من التصريح والتلميح على ذلك في شتى المواقف والمحافل بل يؤكد ويعضد البعد الديني برعايته لممارسات رسمية وشعبية لانتهاك حرمة المقدسات،فيما نجد أن السلطة الفلسطينية وفريق مفاوضاتها يعتمد في مواقفه واستراتيجياته على نظريات سياسية واقتصادية واجتماعية متغافلاً البعد الإسلامي والشرعي للقضية وغير مبالٍ بحق العالم الإسلامي والعربي في المقدسات الإسلامية بل في فلسطين كلها،ولا ننسى قبول السلطة وتنازلها عن حق المسلمين في حائط البراق ـ المبكى ـ ليمنحوه لليهود ومحاولة المجرم شارون لانتهاك واقتحام المسجد الأقصى، فيما كرر عباس في قمة شرم الشيخ على المطالبة بقيام دولة فلسطين على حدود 67 وعاصمتها القدس الشرقية. واليهود يطالبون بالقدس والحرم القدسي انطلاقاً من اعتبارات اقتصادية لأن الحرم القدسي سيكون مزاراً دينياً لليهود والمسيحيين بل والمسلمين،وبعداً سياسياً لتكون القدس عاصمة أبدية لمملكة إسرائيل فيتحكموا من خلال موقعها الاستراتيجي في دول المنطقة جميعها، وبعداً دينياً تاريخياً فاغتصاب الحرم القدسي وكافة المقدسات الإسلامية بل والمسيحية في القدس يمثل انتصاراً للحضارة اليهودية على الحضارة العربية الإسلامية ويشفي حقدهم وغليلهم تجاه المسلمين.
ثالث عشر: إن حركة حماس قد تميزت ببنائها السياسي والاجتماعي والعسكري فأسستها على رؤى وأهداف تستمد قوتها من مستند شرعي ووطني وقومي وحرصت على امتدادها وعمقها في العالم الإسلامي والعربي التي استمدتها من عمق القضية وامتدادها وانسجمت مع الشعب واحتياجاته وتداخلت مع قضاياه وهمومه ووفرت له احتياجاته الاجتماعية المتنوعة فانتمى لها. أما حركة فتح فقد تآكلت من داخلها وتناحرت فيما بينها وخارت قواها وانشغلت بالتسوية السلمية على حساب تنمية مؤسساتها ومقدراتها وقواها ومشاركة المجتمع همومه وقضاياه، وبالتالي ضاع هدفها ورؤيتها في القضية فأصبحت مسخاً وكياناً بلا روح. وقد أكدت انتفاضة غزة على وجود غالبية من أبناء حركة فتح طاهرون وطنيون يسعون لوحدة أبناء فلسطين وتماسكهم وترفض ممارسات التيار الانقلابي فيها التيار المتآمر والمتضامن مع العدو ضد فلسطين وهذا يؤكد على الشرفاء والمخلصين من أبناء فتح أن يستثمروا وقتهم وطاقاتهم وأموالهم في إعادة بنائها وتطهيرها وتصحيح مسارها وتأكيد منهجيتها وترسيخ وجودها لتكون ـ كما أسست ـ قوة في وجه العدو ولتعمل مع شقيقاتها من الفصائل والحركات الفلسطينية في سبيل تحرير فلسطين كل فلسطين منطلقة في ذلك من شرعية دينية ووطنية.
رابع عشر: إن الرؤية العملية لاستثمار انتفاضة غزة في إصلاح الشأن الفلسطيني تتمثل في عدة خطوات أوجزها فيما يلي:
1. التأكيد على أن قضية فلسطين هي قضية كل العرب والمسلمين وليس الفلسطينيين فحسب.
2. التأكيد على شرعية المقاومة وأنها حق للشعب الفلسطيني لاستعادة كامل الأراضي الفلسطينية وعدم التنازل عن أي رقعة منها.
3. التأكيد على حقوق الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه وممتلكاته والعيش بسلام.
4. التأكيد على حرمة الدم الفلسطيني على بعضهم وتماسك صفهم في وجه العدو ومقاومته ـ وإن اختلفت أيدلوجياتهم ـ.
5. ليس لأحد الحق في التنازل عن أرض فلسطين ومقدساتها وحقوق أبنائها لا شخصاً ولا كياناً ولا منظمة ولا دولة لأنها وقف إسلامي لكل المسلمين والتأكيد على جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي والأزهر ودار الإفتاء السعودية ورابطة علماء فلسطين وكل منظمات وهيئات وعلماء وشعوب العالم الإسلامي بأنه لا يحق لمنظمة التحرير الوطني الفلسطيني ولا السلطة الفلسطينية ولا حكومتها ولا أي شخص كان التنازل بأي شكل عن المقدسات الإسلامية في فلسطين وفي مقدمتها القدس والمسجد الأقصى واعتبارها وقفاً إسلامياً عاماً.
6. إعادة بناء منظمة التحرير الوطني الفلسطيني لتكون صالحة لتمثيل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج واستفتائه على منحها حق تمثيله له لأنه لم يمنحها حق تمثيله السابق فهو تمثيل غير شرعي.
7. التأكيد على رئيس السلطة الفلسطينية بعدم سلب الشرعية من حكومة حماس التي منحها الشعب الفلسطيني لها.
8. التأكيد على أن يكون الرئيس الفلسطيني غير منتم لإحدى الفصائل أو منحازاً لها بمجرد انتخابه ليكون رئيساً لكل الشعب الفلسطيني وحيادية قراراته وانسجامها مع المصالح الوطنية.
9. أن يتولى الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء مسؤولية حماية وصيانة وحيادية الشرعية الفلسطينية من خلال حماية المؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية والأمنية.
10. التأكيد على صيانة وحماية المؤسسات المدنية والاجتماعية الفلسطينية التي تعزز صموده وتوفر متطلباته.
11. إعادة بناء الأجهزة الأمنية على أساس وطني وتحييدها وتطهيرها وارتباطها بالقانون الفلسطيني وتعزيز صلاحيات مسؤوليها ومنع الازدواجية فيها.
12. التأكيد على أن الحوار بين الفلسطينيين هو الطريق الأوحد لحل إشكالات إزدواجية السلطة.
وأخيراً؛ ليعلم إخوتنا في حماس وفتح وفي كل فلسطين وفي العالم الإسلامي: أنه لا بد من أداء الثمن، ولا بد من تمحيص واختبار، ولا بد للأمة من سياط لتستيقظ من سباتها العميق؛ لأنها أمة مرحومة رغم ما نراه من السياط التي تلهب ظهورها، والابتلاء والمحن والمصائب قد تكون سبباً في الفتح المبين والنصر العظيم فلا نيأس؛ فالعدو مهما طغى وتجبر فنهايته تعسة نكدة ذليلة، والخاتمة للمسلمين والنصر لعباد الله الصالحين، قال الباري ـ سبحانه وتعـالى ـ فـي كتـابه العـزيز: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِـمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْـجَنَّةَ وَلَـمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ.
وهكذا يخبرنا ـ جل وعلا ـ عن سنة الابتلاء، وعن تمحيصه واختباره لعباده؛ ليعلم الصادقين من الكاذبين، والمجاهدين من القاعدين، وقد ابتليت الأمة في مواطن كثيرة في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والصحابة الكرام رضوان الله عليهم، و«غزوة أحد» خير مثل؛ حيث ابتلي فيها المسلمون وزلزلوا وكذلك في «يوم حنين»، وغيرهما من الأيام، وإذا بحثنا عن أسباب هذا الابتلاء نجد أن سبب الأولى ـ أحد ـ يرجع إلى مخالفـة الصحابـة لأمـر رسـول الـله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، والـثانـيـة ـ حنين ـ اغتر بعض الصحابة بكثرتهم. قال الله ـ جل وعلا ـ: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}، وهذه الأسباب نجدها في عصرنا هذا في مخالفة أمر الله وأمر رسوله في جميع أمور المسلمين «السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية» حيث تركوا شريعة الله، ونبذوها وراء ظهورهم، واتخذوا أعداء الله ملاذاً وملجأً؛ وهذا هو سبب الشقاء الذي تعيشه أمتنا الإسلامية التفافهم على أبناء جلدتهم وإخوانهم مع أعدائهم ومناصرتهم عليهم.
( وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) فالتمحيص درجة بعد الفرز والتمييز؛ وهو عملية تتم في داخل النفس وفي مكنون الضمير إنها عملية كشف لمكنونات الشخصية وتسليط الضوء على هذه المكنونات تمهيداً لإخراج الدخل والدغل والأوشاب وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق بلا غبش ولا ضباب وكثيراً ما يجهل الإنسان نفسه ومخابئها ودروبها ومنحنياتها وكثيرا ما يجهل حقيقة ضعفها وقوتها وحقيقة ما استكن فيها من رواسب لا تظهر إلا بمثير ـ كالتبر لا يصفيه ولا يجمله إلا لهب النار والمطرقة ـ وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله سبحانه وتعالى بمداولة الأيام بين الناس بين الشدة والرخاء يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحك المرير محك الأحداث والتجارب والمواقف العملية الواقعية.
وقد يظن الإنسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرد والخلاص من الشح والحرص ثم إذا هو يكشف على ضوء التجربة العملية وفي مواجهة الأحداث الواقعية إن في نفسه عراقيل لم تمحص وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوى من الضغوط ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه ليعاود المحاولة في سبكها من جديد على مستوى الضغوط التي تقتضيها طبيعة هذه الدعوة وعلى مستوى التكاليف التي تقتضيها هذه العقيدة والله سبحانه وتعالى كان يربي هذه الجماعة المختارة لقيادة البشرية وكان يريد بها أمراً في هذه الأرض فمحصها هذا التمحيص لترتفع إلى مستوى الدور المقدر لها وليتحقق على يديها قدر الله الذي ناطه بها ويمحق الكافرين تحقيقا لسنته في دمغ الباطل بالحق متى استعلا الحق وخلص من الشوائب بالتمحيص.
وفي الحديث الصحيح: "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء" وهذه الآية كقوله: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }.
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.