المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
السخرية المعيارية في قصة (محضر جلسة جامعة الدول العربية الزعبطيطية الأخيرة)*للطاهر وطار

إنّ قراءة النّص يعني قراءة مجموعة من الدلالات التي تفرزها مكوناته الخارجية و الداخلية ، فما تقتضيه علاقة التجاور و التجاوز إنّما احتكاك فرضيات و محددات اختارها القاص بقصدية ذاتية و موضوعية ، و لعل الموقف الذي يبديه كسارد يتوقف نجاحه على مدى مهارته الأدبية و الفنية في مختلف المستويات ، الواقعية و التخييلية يرتبط أساسا بالمتلقي كمستهدف جوهري ، لأنّ السارد يبحث عنه في مختلف المواضع و الوضعيات حتى الملتبس منها ، و من هنا يمكن أن يحقق رسالته في إثارته و استفزازه و إشراكه فيما يريد أن يثيره من أفكار و انفعالات و صدامات و اصطدامات فاعلة و إيجابية .
كثير منها يجمع بين الجدّية و السخرية في لفت الانتباه لها و معارضتها ، و القضية التي تستوقفه في المجتمع أو في السياسة أو في أي مجال من مجالات الحياة و ما أكثرها تصبح بالنسبة له الفلك الذي تدور في فضائه مختلف القضايا الجزئية و الأساسية ، مساعدة على تراكمها أو تشجيعها ، ما يلفت الانتباه حقيقة في عالم السرد اهتمام الأدباء و الروائيين بمعالجة القضايا بأساليب مختلفة و متناقضة في كثير من المناسبات ، روائي خبير بحجم الطاهر وطار يدرك تماما ما معنى طرق قضية سياسية أو اجتماعية و معالجتها لا يعني طرح إشكال و انتهى بقدر ما يحمل من دلالات قوية و شفرات تستوقف المتلقي لفكها و الوقوف عندها مليا و التنقيب عن دلالات رمزيتها في تفاصيل الأحداث و الشخصيات ، و اختيارها يقتضي دراية متنوعة بالسلوك و التفكير و منطق الأشياء لدى الأفراد و الجماعات ، لقد تعلمنا في كتبه الروائي الطاهر وطار كونه جريئا في مواجهة القضية مهما كانت حساسيتها أو أبعادها ، و ما نلاحظه في القصة التي بين أيدينا تعلمنا طرحا جديدا في ملامسة حيثيات السياسة بمختلف علاقاتها ، و هنا استوقفتني جملة من الملاحظات التي لم أقف عندها في إنجازاته الإبداعية و إن كانت لا تخلو من سخرية عميقة في تعاطيه لقضايا الذات و الموضوع ،الفردية و الجماعية متخذا أساليب المعارضة و الرفض و أسلوب السخرية المعياربة أو النموذج التراثي مدخلا أساسيا في التعبير عن موقف يستحق السخرية منه و فضحه في أشكال مختلفة كما يفعل الرسام الكاريكاتوري ، والأدب الساخر أدب عالمي لا يخلو منه تراث أمة حيّة.. فالإنسان أينما كان يعالج نواقصه عندما يسخر منها... وكثيرون من الناس يؤمن أن السخرية إحدى الطرق لتغيير الواقع، أو هي أحد أشكال المقاومة، والأدب الساخر لا يقصد الإضحاك فقط بل له أهداف وغايات من أهمها: 
الحفاظ على قيم المجتمع العليا، 
تكريس السلوك القويم، 
تعديل مجرى اتجاه متطرف..
لأن السخرية تهاجم دائماً التصلب في الفكر والطبع والسلوك ساعية لجعل طباع المجتمع أكثر مرونة كما أن السخرية تترجم حالة روحية حين تنحرف القيم ويسود الزيف(01). 
و من هنا نبحث عن السخرية المعيارية في آخر ما أبدع القاص الطاهر وطار في قصة (محضر جلسة جامعة الدول العربية الأخيرة الزعبطيطية)
رفض الواقع السياسي العربي و العالمي و السخرية من مواقف العالم من نفسه و هي مفارقة أثارت حفيظة السارد في تلقي الظاهرة و التعبير عن موقفه المعارض ، و المسرود في هذا النّص يعكس الوجه الجديد و الحلة المتطفلة لدى الشعوب المستضعفة و على رأسها العالم العربي ، نكتشف في طريقة السارد أسلوب النقد الكاريكاتوري ، يمزج فيها بين :
السخرية باللون
السخرية بالمكان
السخرية باللغة والصوت
و هذا النّص ينم عن نضج إذ الكثير من لقطات أبي العلاء المعري الساخرة تستند إلى آلية المفارقة اللغوية التي تجعل العلاقة بين الدلالة المباشرة والدلالة المنزاحة علاقة قائمة على التقابل الدلالي لأن بنية السخرية تتحقق بوجود دال ومدلولين يكون الأول مباشراً ويكون الثاني ضمنياً... يكون المدلول الأول حرفياً وظاهراً بينما يكون المدلول الثاني قصدياً وضمنياً ولا بد والحال كذلك لكي تحقق السخرية الهدف منها على مستوى الكتابة.. لا بد من تفاعل العنصرين: الكاتب والمتلقي لأن السخرية تحضر في النص من خلال مؤشرات وقرائن فقط يأتي بعد ذلك دور المتلقي في تشييدها لتصبح محققة(02)... و المرجع الذي استند إليه القاص في المستويات التي ذكرناها تتحقق في هذا المسرود الساخر على أوجه مختلفة :
السخرية باللون :
البداية التفكير في إيجاد حل لعقدة مزمنة طالما عانى منها مجتمع العالم بما فيه المتقدم الذي ينظر إلى المتأخر في صورة حقيرة ، إذ ارتبطت نهاية العالم الحالم بالنتيجة التي انتظرها الغرب عموما و الأمريكان بشكل خاص على اعتبار الحقيقة التي ينبغي ألا يختلف حولها العالم ، استعمال السارد لكلمة (حتى) لها دلالتها الغيبية في حين تعكس التصور الحقيقي للمنتظر في القريب أو البعيد ، و احتمال تجلي المجهول ...((حتى قبل أن تظهر النتائج النهائية للانتخابات الرئاسية الأمريكية ))، و القرينة الثانية التي أثارها السارد في تحديد الوضعية الحقيقية للصراع القائم بين القطب المزعوم و العدو الموهوم الذي أنشأه الغرب عموما و الأمريكي خصوصا ((وجد قادة الدول الزعبطيطية ، أنفسهم ، و لأول مرة في قمة مكتملة النصاب ، و لأول مرة بدون تحضيرات مسبقة تكثر فيها الشروط و المساومات ، و التنازلات ، و بعض أو كثير الغيابات.)) استعماله لكلمة (الزعبطيطية)
((فوجئت الصحافية الزعبطيطية و العالمية ، بهذه السرعة النادرة في ردود أفعال الزعابطيط،و بينما قالت الصحافية الزعابطيطية ،)) و هذا التوجه المفاجئ يثير فضول المتلقي بحدة و يجعله يتساءل في كل مرة ، و يتغير بل تتجدد وظيفتها من حيث تكوين جزئي للصورة الطبيعية التي طبع بها الآخر في كنف سياسة فجة غامضة ، تعتمد التسرع و التخوف و التحدي السلبي ((إنّ المسألة و ما فيها ، " بعض" الضرر الذي لحق أسعار البترول ، و الذي مسّ أكثر ما مسّ ، نمط حياة القادة الميامين ، و بصفة خاصة ، نمط تسوق سيدات الزعاببطيط الأولى ، ليس بسبب شح ذات اليد ، حاشا لله ، و ليس بسبب ، تضاعف أسعار الملبوسات و المجوهرات ، حاشا لله ،فخير ربنا ما يزال وفيرا ، و الحمد لله.)) و الدور لم تلعبه الزعبطيطية ، و التي وظفها السارد في خيثية ساخرة تجعل المتلقي يتفقد ذاته و يحاول من جهته أن يصحح كثيرا من المفاهيم التي لم يسطع ذوي القوة و النفوذ إليها بذكاء ، و استعملوا بدلا من ذلك القوة السلبية ، و المستوى الذي لم يدركه الساسة على مستويات رفيعة ، هو المغالطات التي تلجأ إليها الصحافة ((إنّما ، و هذا ما أبرزته الصحف الزعبطيطية بعناوين غليظة ،و على صفحاتها الأولى ، بعبارات تكاد تكون واحدة ...السيّدات الزعبطيطيات محل سخرية ، في أسواق باريس و لندن ... مردّ ذلك ، أنّهنّ لا يشعرن بالفارق في الأسعار برين الأمس و اليوم .)) و على مستوى ليس بالبسيط في نظر السارد اقتراب دلالات الأشياء لدى كثير من فئات المجتمع و إن كانت مقوماته الفكرية و مؤهلاته الإعلامية غير كافية جعلته يتحفز لمعرفة الحقيقة كما هي في الواقع و أحيانا كما يتصورها بمعطيات جديدة و متجددة ، و لقاء الأشخاص في مختلف فضاءات العالم المعلومة و المجهولة ، بين النساء و الرجال ، أصبحت كثير من محددات خارطة العالم في أيدي عابثة ، لا تبالي بجغرافيا العالم من حيث أهميته السياسية و مكوناته الاقتصادية و الثقافية التي تدنت ، و احتلت العالم قوة مغايرة تعتمد مقومات مختلفة و مرجعية مناقضة لطموح العالم المتجدد (( حتى أنّ إحداهن من مسيّرات المتجر ، قالت متفكهة ، إنّ ثمن هذا المعطف يتجاوز كلّ ما أنفقته سارة المرشحة الأمريكية لنيابة رئاسية .)) أليس لمتغير الأشياء على مستوى الإنسان ظهور بديل جديد لوني في تديد مصير العالم و إقناعه باحتمال تحقيق سعادة البشرية ، حديث السارد عن الشخصيات الخقيقية و تحكمها في مصير العالم له دلالته و استراتيجيه التي رسمها السارد بغرض السخرية من العالم الذي يدعي سلطته على عالم آخر و هو لا يكاد يميز بين ما له و ملغيره إن لم يكن كل ما يعتقده لغيره جملة و تفصيلا ,
السخرية باللغة و الصوت :
أبرز الشخصيات التي تدير دواليب العالم هي شخصيات وهمية متسلطة اختلقها الغرب بطريقته لتحقيق مآربه ، وهذا كله في النهاية سخرية من العالم العربي الذي لم يستطع توجيه نفسه بالمقدار الذي يعتقده ، و لذا برز في المسرود جملة من الأصوات التي اعتقد السارد أنّها تحقق صورة السخرية التي يجب أن يفهمها العربي كما يتصورها الغربي ، استعمال السارد لكلمة (قولي لها طز ) له دلالته الطبيعية على معنى التهكم و السخرية من أولئك الذين لم يدركوا معنى وجود الإنسان ، فإذا كان صوت اللغة أن نعي معنى الإيقاع للأشياء كما هي في الطبيعة ، وتجاور الخروف له دلالته الحقيقة في النّص ((قولي لها طز على سارة ، حاشا أمريكا .)) ، و الحقيقة التي يعتقد السارد أنّ العربي لم يدركها بعد توهمه بسلطة الأشياء محررة ، و الواقع يقول عكس ذلك ، الضحك الذي أحدثته المتخاورات لم يكن في ظاهره إلا من عابر أحاديث اىلنّساء كعادة أي تجمع نسوي ، و لكن الغرض الخقيقي الذي استعصى على الإنسان الواعي هذا التقابل المفاجئ من النّساء و التفافهن حول معنى من المعاني 
((انفجر كل من كان في المحل من العاملات ، و المختصات ، بالضحك ، و رحن يحاولن النطق بالجملة :" تووز آلي سارة " .))
و الملفت في هذا الرسم الكاريكاتوري التقليد الذي استحدثه السارد عندما حاولت إحداهن تقليد عبارة: طوز على سارة و كان التقليد بالشكل الآتي : توز آلي سارة ، انزياح للحقيقة التي لم يدركنها الفضوليات ، و هذا من شأنه أن يجعل المتلقي لا يكتفي بالضحك بقدرما يبحث عن التركيبة التي يشكلها اجتماع من يعتقد السارد أنّه مجرد سخرية من جهتهم و لا يمكنه أن يحقق ما يتمناه كما يريد الآخر يحقق لذاته منهم (( و هاهم في أول اجتماع قمة لجامعتهم يضعون جدول عمل بنقطة واحدة ، هي : كيف نعالج الموقف ؟
رغم غموض النقطة ، فإنّها في الحقيقة جامعة شاملة ، فيها كثير
من الصرامة ، تعكس حرج و أحاسيس الرؤساء الذين لم يتغيّروا 
ما يزيد عن ثلث قرن ، كذلك أحاسيس الذين ورثوا جمهوريات 
زعبطيطية بكل ما فيها من مؤسسات ، و نساء و رجال و 
أطفال ، و كلاب ، و الذين يؤسسون لتوريث نسلهم ، كما تعكس 
حرج ممثلي الأّمة الذين شاهدوا مباشرة أو إعادة ، مطربا شابا 
وسيما ، تقبله مراهقة ، قيل إنّها قاصر ، و قيل إنها ثيب ، و قيل ، 
إنّها بكر .))
أما أولئك الذين تترصد شرطتهم ، السيارات ، و من يقودها ، ملفتين أنظار مسئوليهم ، إلى أن بعض النساء يتنكرن في زي الرجال ، عندما يقدن سياراتهن ، و أن السيارات ذات الزجاج غير الشفاف ، تحدث حرجا كبيرا ، فالله وحده أعلم ، بمن في داخلها ، ماذا يفعل ،و قديما قيل ، " خاف الله ، و اللي ما يخاف من الله " . و من هنا فإنّ الزعبطيطية التي صورها السارد ذات صوت مخبوء ، و لا أثر لها سوى رجع الصوت المصدر ,
السخرية بالمكان :
و أما السخرية بالمكان ، و نعتبر هذا تميزا في العملية الإبداعية لدى السارد إذ تمكن من توليد صورة شيء جديد لغرض معلوم ، أطره بالسخرية و التي نصطلح عليها بسخية المكان ، ورد في المسرود جملة من الرموز التي تشغل حيزا مكانيا ، و لعل ذكره لكلمة (مناطق)،(سكانها هم الأصل)
((الإشكالية كلها ، هي أنّ كثيرا من مناطق غير الزعابطيط ، ينطوي جوفها ، على مواد ثمينة ، و أنّ سكانها هم الأصل ........)) ، و إشارات أخرى لا تقل أهمية عما ورد في تحذيراته هو الاطمئنان و التزهد في الأشخاص ذوي الطبع المشين ، و يذكر السارذ مثالا حيا عندما يعتبر تغير و تناوب الأشخاص في مكر و دهاء ، كثير من الغافلين ممن التمسوا السعادة و الرخاء من غير أهلها ، باءت أحلامهم بالفشل (( ينفقونه في الملاهي الليلية ، هناك ، و كثيرها ، يوضع في الحسابات الخاصة ، عملا بالحكمة القائلة : لا أمان في دار الأمان .))
من المؤكد أنّ تصور السارد للواقع المزري للعالم العربي لم يكن مجرد تخيّل بقدر ما فيه من الحقائق المرّة ، و الوضع الذي هم عليه ليس بالمحمود ، العفن استفخل بقوة عندما اعتقد كثير من النّاس بجديّته و في باطنه سخرية و مسخرة كما اعتقد السارد ذلك و كان محقا في تصوره
((عمّ الهرج و المرج ، و كثر اللغط ، و اختلط الحابل بالحامل . و سمعت طقطقة الكراسي .)) ، السر الذي نجح بينهم أنّهم استطاعوا أن يجمعوا أمرهم بينهم بألا يفشوا سرهم إلا لأنفسهم و إلا أصبحت فضيحة العالم لا تقل بشاعة عن فضائح سابقة ((في صباح الغد ، أعلنت الصحف المحلية ، أنّ الاجتماع ناجح ، حيث تمت دراسة جدول الأعمال ، و قالت الصحف الأجنبية ، إنّ الزعابطيط ، لأول مرة ، يجعلون أمرهم سرا بينهم .))
إنّ الرمز الذي وظفه السارد في نصّه له دلالته الفنية و السياسية و الاجتماعية و الحضارية ، و هي صورة مركبة ، تحمل نقدا لاذعا ، و في الحقيقة هو نقد ذاتي بالدرجة الأولى ، و السخرية من بين أهم الأساليب الناجعة في مواجهة الظواهر الاجتماعية و السياسية و متابعة نتائجها سلبيا و إيجابيا و ملاحقة المتورطين بمختلف الأسلحة الصحيحة و القوية نفسيا و اجتماعيا ، و هو نوع من التوجيه الموجه للعقلاء و المثقفين و تحريك هممهم وإقناعهم بالواقع و حاجته الماسة إلى التغيير .
ــــــــــــــــــ
(*) – قصة للروائي الجزائري الطاهر وطار/ نشرت في العدد الأخير من مجلة التبيين 2009/32
(1- 2)إطلالــــة على السخريــة عند أبي العلاء المعري ـــ فوزي معروف (*)باحث من سوريا




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."