محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
حوار علمي مع مصدقي نبوءة العدل والإحسان
حوار علمي
مع مصدقي نبوءة العدل والإحسان
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على قدوتنا وأسوتنا بحق رسول الله, والرضا على أولياء الله بحق الذين يتبعون النبي ويقتدون بأصحابه وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد :فقد وقع بيدي وريقات مستخرجة من الإنترنت لولد سمى نفسه (ابن الأزرق) يعتبر من منظري جماعة العدل والإحسان الصوفية بالمغرب فيها رد على الدكتور الفاضل أبي جميل حسن العلمي السجلماسي حفظه الله تعالى في ما يثيره الإخوان في جماعة العدل والإحسان من تواتر الرؤى عند أفراد جماعتهم دالةً على قرب قيام خلافتهم , سماها(حوار علمي مع منكري نبوءة العدل والإحسان) فعزمت على الإنصاف فقلت :
قال ابن الأزرق غفر الله لنا وله :
الوسيلة الأولى : إرسال بعض الرسل إلى الأولياء والصالحين
الشاهد الأول
قال علمني الله وإياه :( عن علي رضي الله عنه في قصة هاجر... أخرجه الطبري في تفسيره ...وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري)
ثم قال غفر الله لي وله : (وفي صحيح البخاري وذكر الرواية ثم قال. في رواية : (فإذا هي بصوت... ثم قال : (في رواية عند الفاكهي في تاريخ مكة ...زاد في حديث أبي جهيم ...)
قلت :قوله هداني الله وإياه: (عن علي في قصة ) يوهم القارئ أن الخبر مرفوع إلى النبي e, والحقيقة أنه موقوف على علي, ومثل هذا قد لا يكون له حكم الرفع.وعلى فرض كونه مرفوعا حكما ولا يبعد فالخبر ضعيف لأنه من رواية أبي إسحاق السبيعي عن حارثة بن مصرف عن علي. وأبو إسحاق مدلس وقد عنعن. والله أعلم.
وقد وقع لابن الأزرق غلط شديد سببه عدم استيعابه التلازم الكائن بين أن يكون الإنسان نبيا وبين أن يوحى إليه , فكل نبي أوحي إليه بوجه من الوجوه أو أكثر, وكل من يوحى إليه فهو نبي, ومخاطبة الملائكة لأحد بشرع أو غيب دليل على نبوته, ولا يمكن أن تخاطب الملائكة غير نبي بذلك.
أما مريم فهي نبية دون شك, فقد خاطبها ملك, والملك لا يخاطب إلا نبيا, وسارة أم إسحاق زوجة إبراهيم أيضا نبية فقد خاطبتها الملائكة بغيب, وهاجر أم إسماعيل نبية أيضا فقد خاطبها جبريل عليه السلام بغيب. ومن ادعى جواز مخاطبة الملائكة غير نبي أو نبية بذلك فقد هدم أصلا متفقا عليه بين المسلمين. ولا يقال إن الله تعالى قال : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي )(يوسف: من الآية109) فإن هذا نفي لجواز كون المرأة رسولة, ونفي الأخص وهي الرسلية لا يستلزم نفي الأعم وهي النبوة.وهذا شيء يفهمه طلبة العلم النجباء.
قال ابن حزم الظاهري في الفصل عند حديثه عن نبوة النساء في قوله تعالى: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) (هود:71) : ( هذا خطاب الملائكة لأم إسحاق عن الله عز وجل بالبشارة لها بإسحاق,ثم يعقوب ثم بقولهم : أتعجبين من أمر الله ؟ ولا يمكن البتة أن يكون هذا الخطاب من ملك لغير نبي بوجه من الوجوه.)
وقال في قوله تعالى لمريم (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً) (مريم:19) : ( هذه نبوة صحيحة بوحي صحيح ورسالة من الله تعالى إليها.وأكد ذلك بقوله تعالى : (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ )(مريم: من الآية58) فقال: (وهذا عموم لها معهم , لا يجوز تخصيصها من جملتهم, وليس قوله عز وجل(وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ )(المائدة: من الآية75) بمانع من أن تكون نبية, فقد قال تعالى (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ )(يوسف: من الآية46) وهو مع ذلك نبي.)
قلت : هذا حق لا شك فيه, فإثبات الأخص الذي هو النبوة يستلزم إثبات الأعم وهو الصديقية.ولا يلزم من إثبات الأخص نفي الأعم,فلا تعارض,فتأمله.
وأما قصة الأقرع والأبرص فليس فيها أنهم علموا أن الذي يخاطبهم ملك,ولا أنه أتاهم في صورة ملك, أو أخبرهم أنه كذلك, ويجوز لأي أحد منا أن يقول لمن ابتلاه وامتحنه الله بنعمة فكفرها فرفعها عنه: (ابتلاك الله ) و(قد سخط الله عليك), ويقول لمن شكر النعمة : (قد رضي الله عنك).
نتيجة :
ظهر بهذا أن قوله : (فهؤلاء جماعة من غير الأنبياء ...)خطأ للأسف.ولست أستدل بكلام ابن حزم لأنه من ابن حزم, بل أستدل بما فيه من دليل عقلي وشرعي سليم إن شاء الله.
وعجب من بعض من ادعى من جماعة العدل والإحسان أنه رأى جبريل وقد غطا جمعا منهم بجناحيه, فجبريل أعظم من ذلك وله ستمائة جناح,ولو نشر جناحا واحدا لغطى الأفق لا جماعة من الناس, هذا ولم ينكر عليها أحد من جماعتها, أفليس فيهم رجل رشيد أو امرأة ؟!.
أما دعاوى أفراد الجماعة الرؤى والمنامات فتحتاج إلى إثبات. فليس كل من رأى شيئا كان حقا, هذا إن كانوا صادقين في ذلك, وإلا فقد قال النبي e : (إن من أفرى الفرى أن يُرِيَ الرجل عينه في المنام ما لم تر) رواه أحمد عن ابن عمر (صحيح الجامع رقم :2211)
الوسيلة الثانية: الإلهام والتحديث.
عرفه ابن الأزرق بصرني الله وإياه بعيوبنا بقوله : (هو أن يقذف الله في قلب عبد من عباده معلومة لا يتردد في صدقها.فالله تعالى يزرع في فؤاده يقينا لا يخالطه أدنى شك.)
قلت : هذا تعريف تجاوز صاحبه الحد.ومن أحسن تعاريف الإلهام المقبولة ما عرفه به صاحب الحدود الأنيقة فقال : (هو إلقاء معنى في القلب يطمئن له الصدر يخص الله به بعض أصفيائه وليس بحجة معصوم) ولسنا ننكر الإلهام إنما ننكر الجزم به وتصديقه وكأنه حجة دون عرضه على الحس والشرع, فإن كان إخبارا بغيب لم يصدق حتى يثبته الحس والواقع, بخلاف الأنبياء فإن إلهامهم وحي وحق, وإن كان إلهاما بحكم شرعي لم يثبت إلا بشاهدين عدلين كتاب الله وسنة رسوله.
قال الحافظ في الفتح في شرح حديث (لو كان في أمتي محدث ...) في فضائل عمر : (إن المحدث منهم إذا تحقق وجوده لا يحكم بما وقع له بل لابد له من عرضه على القرآن, فإن وافقه أو وافق السنة عمل به, وإلا تركه, وهذا وإن جاز أن يقع , لكنه نادر ممن يكون أمره منهم مبنيا على اتباع الكتاب والسنة).
والذي نص عليه أهل العلم أن (الإلهام دعوى مجردة من الدليل ولو أعطي كل امرىء بدعواه المعراة لما ثبت حق ولا بطل باطل ولا استقر ملك أحد على مال ولا انتصف من الظالم ولا صحت ديانة أحد أبدا لأنه لا يعجز أحد عن أن يقول ألهمت أن دم فلان حلال وأن ماله مباح لي أخذه وأن زوجه مباح لي وطؤها وهذا لا ينفك منه وقد يقع في النفس وساوس كثيرة لا يجوز أن تكون حقا وأشياء متضادة يكذب بعضها بعضا فلا بد من حاكم يميز الحق منها من الباطل وليس ذلك إلا العقل الذي لا تتعارض دلائله ) قاله ابن حزم رحمه الله في الإحكام (1/20).
وقال المناوي في فيض القدير (4/507): (ليس لأحد من الأولياء العمل بالوارد حتى يزنه بالميزان فإن وافق انتفع به هو ومن كاشفه به ممن يعتقد صدقه وزادهم إيمانا) وقال هناك أيضا: (ولهذا كان عمر يزن الوارد بميزان الشرع فإن وافق وإلا لم يلتفت إليه)
وقال الشاطبي المالكي في الموافقات : (هذه الأمور لا يصح أن تراعى وتعتبر إلا بشرط أن لا تخرم حكما شرعيا ولا قاعدة دينية فإن ما يخرم قاعدة شرعية أو حكما شرعيا ليس بحق في نفسه بل هو إما خيال أو وهم وإما من إلقاء الشيطان وقد يخالطه ما هو حق وقد لا يخالطه وجميع ذلك لا يصح اعتباره من جهة معارضته لما هو ثابت مشروع وذلك أن التشريع الذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم عام لا خاص كما تقدم في المسألة قبل هذا وأصله لا ينخرم ولا ينكسر له اطراد ولا يحاشى من الدخول تحت حكمه مكلف وإذا كان كذلك فكل ما جاء من هذا القبيل الذي نحن بصدده مضادا لما تمهد في الشريعة فهو فاسد باطل).وقد قال السرخسي الحنفي في المبسوط (16/133) : (من يعتقد أن الإلهام حجة موجبة للعلم لا تقبل شهادته)
وقال صاحب بدائع الصنائع وهو حنفي (6/269):(لا عدالة لأهل الإلهام لأنهم يحكمون بالإلهام فيشهدون لمن يقع في قلوبهم أنه صادق في دعواه ومعلوم أن ذلك لا يخلو عن الكذب)
وقال ابن بدران الحنبلي في مدخله (ص297):( لو فتح بابه لأدى إلى مفاسد كثيرة ولكان للمتدلسين مدخل لإفساد أكثر الشرع فالصواب أن لا يلتفت إليه وإلا لادعى كثير منهم إثبات ما يلذ لهم بالإلهام والكشف)
قال ابن الأزرق: (ويجمع أئمة الإسلام على أن الإلهام من أقسام الوحي, وعلى أنه ليس خاصا بالأنبياء)
قلت : كونه من أقسام الوحي صحيح, كما أن الرؤيا من أقسام الوحي أيضا, وهما حق يعمل بهما إن كانا للأنبياء, وأما غيرهم فلا. وقد بينت الحق في ذلك في ردي على ابن الأزرق في دعواه حجية العمل بالرؤى في بحث مستقل نشر بموقع (الخرافة) المبارك.وكونه يقع لغير الأنبياء صحيح أيضا .قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (هو للأنبياء بالنسبة للوحي كالرؤيا ويقع لغير الأنبياء) ولسنا نختلف في هذا , إنما نختلف في كونه حقا مجردا عن الدليل الحسي أو الشرعي.
الشاهد الأول
قلت : استشهاده بقصة أم موسى خطأ,والصواب أن إلهام الله لأم موسى إلهام نبوة. قال ابن حزم رحمه الله في الفصل في أم موسى : (هذه نبوة صحيحة لا شك فيها, وبضرورة العقل يدري كل ذي تمييز صحيح أنها لو لم تكن واثقة بنبوة الله عز وجل لها لكانت بإلقائها ولدها في اليم برؤيا تراها أو بما يقع في نفسها أو قام في هاجسها في غاية الجنون والمرار الهائج, ولو فعل ذلك أحدنا لكان في غاية الفسق, أو في غاية الجنون , مستحقا لمعافاة دماغه في المارستان لا يشك في هذا أحد.) وهذا كلام متين جدا.
قال السمعاني رحمه الله تعالى في قواطع الأدلة ( 1/828) وهو من أئمة أهل الحديث : (قال جمهور العلماء : إنه خيال لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب ما أبيح , وقال بعض الجهمية إنه حجة بمنزلة الوحي المسموع عن رسول الله e.) فظهر بهذا أن الاحتجاج بالإلهام دون شاهد من الحس أوالشرع قول لبعض الجهمية.
وإن كنا نسلم بوجوده, فإننا نعلم أنه نادر وخاص ببعض الكبار والمصطفين من عباد الله الصالحين, ولذلك قال المناوي في فيض القدير(3/576): الإلهام نادر وخاص.) وأصحاب عبد السلام ياسين ينسبونه لمن هب ودب منهم .
ويحتجون به , وما يحتجون به إلا لوقوعه لواحد من جماعتهم, فلعله لو ألهم أحد مخالفيهم بنقيض ما ألهموا به لردوه.فليست العبرة عندهم بحجية الإلهام, إنما العبرة عندهم بأن يصدر من أحد أعضاء جماعتهم.!!
الشاهد الثاني
قلت : ليس في الخبر ذكر للإلهام, إنما قال أبو بكر : (أراها ) بضم الهمزة على البناء للمفعول, وهي صيغة تردد لا جزم, وقد تفطن ابن الأزرق لهذا فأشار إلى روايتين تصرحان بكون ذلك إلهاما وفيهما(ألقي في روعي). إحداهما عند ابن الجوزي في الصفوة والأخرى عند الطبري في الرياض.
أما ابن الجوزي فلم يرو القصة بإسناد , إنما قال عقب ذكره لرواية (أظنها): (وفي رواية ألقي في روعي) ولم يحل إلى مصدره, وأما المحب الطبري فإنه قال : ذكره الهروي. والقاعدة عند العلماء ( إن كنت ناقلا فالصحة, وإن كنت مدعيا فالدليل).
والذي صح في الخبر أنه قال : (أراها جارية), وفي رواية عند ابن سعد في الطبقات (3/194) واللالكائي في كرامات الأولياء (رقم62) بإسناد صحيح:(أظنها جارية), وهي موافقة لما في الرواية المشهورة(أراها جارية).
قال الشاطبي في الموافقات(3/62) : ( لذلك قال أبو بكر (أراها جارية) فأتى بعبارة الظن التي لا تفيد حكما )
وقال السرخسي في المبسوط (12/50): ( لا بأس للإنسان أن يتكلم بمثل هذا بطريق الفراسة فإن أبا بكر رضي الله عنه قال ذلك بفراسته ولم يكن ذلك منه رجما بالغيب فإن ما في الرحم لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى كما قال الله تعالى : ( ويعلم ما في الأرحام ) ولهذا قيل : أفرس الناس أبو بكر رضي الله عنه حيث تفرس في حبل امرأته أنها جارية فكان كما تفرس ) وللفراسة :( سببان ,أحدهما جودة ذهن المتفرس وحدة قلبه وحسن فطنته, والثاني ظهور العلامات والأدلة على المتفرس فيه فإذا اجتمع السببان لم تكد تخطىء للعبد فراسة وإذا انتفيا لم تكد تصح له فراسة وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر كانت فراسته بين بين ) قاله ابن القيم في المدارج.وكثير من الناس قد يستدل بأمارات تظهر على المرأة الحامل قد يعرف بها جنس الجنين.وهي عين الفراسة.
الشاهد الثالث
قلت : ليس في قصة عمر مع الأشتر ذكر للإلهام, إنما هو تفرس من عمر في الرجل ألم تر أنه قال :( أحسب )وهو من أفعال الظن لا العلم.فليس هذا من باب الإلهام بل من باب الفراسة كما هو معروف عند أهل العلم.
الوسيلة الثالثة الرؤيا الصادقة
الشاهد الأول
قلت : أعجب ما يتعجب منه أن ترى الرجل يستدل على نفسه بما يظنه دليلا له, وهذا ما حصل لابن الأزرق ردني الله وإياه إلى الحق, فإنه ذكر قصة رؤيا عائشة للأقمار الثلاثة وفيها أن أبا بكر قال لها : (إن صدقت رؤياك دفن في بيتك خير أهل الأرض) فلم يجزم أبو بكر بوقوع ما ورد في الرؤيا من غيب, إنما علق ذلك على صدقها. وجماعة عبد السلام ياسين يجزمون ولا يعلقون على صدق الرؤيا, بل يجزمون بصدقها حتى وإن كانت رؤية النبي e في المنام مقطعة رأسه الشريفة عياذا بالله من سوء الأدب ووسوسة الشياطين وتخبيطاتهم.
الشاهد الثاني
استشهد برؤيا عمر أن ديكا ينقره, ولم ينتبه لعبارة عمر رضي الله عنه وهي (لا أراه إلا حضور أجلي) فعبر بصيغة ظن لا جزم, فتنبه.
الشاهد الثالث
والقول في هذا الشاهد كالقول في الشاهد الذي مضى.فقد قال عثمان (لا أراني إلا مقتولا)
الشاهد الرابع
ذكر قصة رؤيا عمر بن عبد العزيز , وقال : (إسناد نعيم بن حماد على شرط الصحيح)
قلت : نعيم بن حماد ضعيف,وقد أخطأ ابن الأزرق خطأ فاحشا في نسبته هذه الرواية بلفظ (ستلي هذه الأمة) لابن سعد وابن نقطة , إنما رويا الخبر بلفظ (يا عمر إن وليت من أمر الناس شيئا فخذ بسيرة هذين), وبأدنى تأمل يعرف الفرق بينهما.وأنبه على مسألة أخرى وهي أن الخبر من رواية ابن أبي عروبة عن عمر , وفيها عند ابن سعد : (بلغني أن عمر ...) والبلاغ من أنواع المنقطع.وعند ابن نقطة (سعيد بن أبي عروبة عن عمر) وسعيد مدلس وقد عنعن, فلو صح سماعه فإنه ممن اختلط بأخرة.فالخبر ضعيف والله أعلم.
الشاهد الخامس
وفيه أن سفيان قال للرجل: إن صدقت رؤياك مات الأوزاعي. وهذا غريب من ابن الأزرق وما قلته في الشاهد الأول يقال هنا. من كونه علق على صدقها ولم يجزم بذلك.
فصل
ذكر ابن الأزرق وفقني الله وإياه الصواب عن ابن تيمية صورا من فراسته رحمه الله مستدلا بها على جواز علم غير الأنبياء بالغيب من طرق أخرى غير الوحي, ونقل تلك الصور عن ابن القيم والبزار , والحق أن كل ذلك من قبيل فراسته رحمه الله تعالى, لا اطلاعه على الغيب .
وأول ما ذكره الأخ ابن الأزرق حكاية جَزْمِه رحمه الله بنصر الله لهم على التتار, وكنت كتبت ردا على شيخه عبد السلام ياسين إذ قد سبقه إلى ذلك فقال : (وابن تيمية يقرأ في اللوح المحفوظ وينبئ بعلم المستقبل …كيف …لوح محفوظ وعلم غيب وابن تيمية إي نعم لا أذكر لك ـ يخاطب الأخوات ـ الصفحة والجزء لكي تقرئي كتاب مدارج السالكين لتلميذ ابن تيمية الذكي الزكي الذي قص كيف راجع شيخه حين أخبره أن المسلمين ينتصرون في معركة مع التتار وأخبره شيخه أنه رأى ذلك في اللوح المحفوظ …) (تنوير المؤمنات 1/290)
قلت : الذي في المدارج أن شيخ الإسلام قال:( فلما أكثروا علي قلت : لا تكثروا كتب الله تعالى في اللوحالمحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكرة وأن النصر لجيوش الإسلام) .وليس فيه أن ابن القيم راجعه, إنما الذي راجعه الأمراء,وقوله (كتب) لا يعني أنه (رأى), فالرؤيا أخص من العلم,وثبوت الأعم لا يستلزم ثبوت الأخص. قال تلميذه ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية : ( كان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله : ( ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور ) ) ثم ذكر أنه مثل لهم ذلك ببغي الخوارج على علي ومعاوية,وذكر أنه أهل العلم تفطنوا لمقصوده بكلامه ذاك, فالمسألة واضحة وضوح الشمس ، فهذه الآية من القرآن ، والقرآن في اللوح المحفوظ ، فقد يكون إطلاق شيخ الإسلام لكلمة اللوح المحفوظ من باب إطلاق اللفظ وإرادة بعض ما تضمنه من معنى, وهو دلالة التضمن,بقرينة إنكاره قدرة أحد على الاطلاع عليه.واستدلاله بالقرآن.وهذا ما عناه شيخ الإسلام لفقهه والله أعلم,وكان ذلك من فراسته رحمه الله حيث رأى القرائن دالة على النصر ـ لذلك أورد ابن القيم القصة عند حديثه عن الفراسة لا( علم الغيب ) وقال في الروح عن الفراسة : (وليس هذا من علم الغيب ) تأمل !وما قصد أنه اطلع عليه, كيف يقول ذلك وهو منكر لجواز اطلاع أحد على اللوح, قال رحمه الله في بغية المرتاد (ص 326) : (الأصل الثاني من الأصلين الفاسدين كون روح العبد تطالع اللوح المحفوظ فإن هذا هو قول هؤلاء من المتفلسفة القرامطة) وقال (ص327): (ولم يقل أحد من علماء المسلمين أن أرواح كل من رأى مناما تطلع على اللوح المحفوظ بل قد جاء في الحديث أنه لا ينظر فيه غير الله عز وجل في حديث أبي الدرداء) وقال في درء تعارض العقل والنقل (9/398) : (المتصوفة يذكرون اللوح المحفوظ ومرادهم به النفس الفلكية ويدعون أن العارف قد يقرأ ما في اللوح المحفوظ ويعلم ما فيه ومن علم دين الإسلام الذي بعث الله به رسله علم أن هذا من أبعد الأمور عن دين الإسلام كما قد بسط في موضع آخر)
ومثل هذا يقال في باقي ما نقله ابن الأزرق عن ابن تيمية من صور الفراسة.والغريب أن شيخ الإسلام ينكر أشد الإنكار دعوى علم الغيب لأحد بأي وجه من الوجوه, قال في الجواب الصحيح (3/159): (العلم بعواقب الأمور على وجه التفصيل مما استأثر الله بعلمه فلا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل). وقال ابن القيم رحمه الله : ( الطواغيت كثيرون رؤوسهم خمسة إبليس لعنه الله ومن عبد وهو راض ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه ومن ادعى شيئا من علم الغيب ومن حكم بغير ما أنزل الله
ولكن عبد السلام ياسين يأبى ذلك وينكر على ابن تيمية المنع من الاطلاع على اللوح المحفوظ ويقول في نفس الموضع من التنوير (كبار الصوفية ينظرون في اللوح المحفـوظ) نسأل الله العافية. هذا رد في عجالة, قصدي به النصح للإخوان , فمن رأى خطأ فليصلحه بإحسان, ومن رأى حقا فليتبعه بعدل, والله من وراء القصد والحمد لله رب العالمين.
كتبه أبو عبد الله طارق بن عبد الرحمن الأثري التطواني
|