العنف حالة تعتبر بديهية عند البشر ، وقد فسرت نفسياً على انها طبيعية ، متى ترى نفسك عنيفاً وما تفعل لمقاومته ؟ أعتقد بأنكِ استنبطِ وجهة النظر هذه من موضوعي ( ثورة على النفس ) الذي ذكرتُ فيهِ أن الغضب طبيعةٌ من طبائع البشر ، و أنهُ على المرءِ أن يغضب و يثور ، و لربما يحسبُ القارئُ أني كتبتُ الموضوع مخاطباً الناس إنما كتبتُ الموضوع مخاطباً نفسي ، و لكني وضعتهُ لكم لأني أعلم أنهُ هناك من هم مثلي ، و حالهم كحالي ، و يحتاجون ثورةً على نفوسهم ، و من هنا تأتي الإجابة على سؤالكِ عن متى أرى نفسي عنيفاً ، فأنا أثورُ على ظلم نفسي و على رضاها عن ذلٍ و هوان في بعض الأحيان ، و لا أقاوم ذاك العنف ، لأني ما قمتُ بثورة على نفسي لأرحمها بل لأجعلها ترى كرامتها و عزتها . القناعة كنزك من والدتك حفظها الله وأمدها بطول العمر ... فمتى تكون نفسك نقيضةً للقناعة بحيث انك تعتقد انك لست قانعاً بالشيء، في جُل مسائل حياتك؟ في الحقيقة أقع في حيرة دائماًً و كثيراً في حال نفسي و في متقلباتها و رغباتها ، فحين أحسبُ نفسي قنوعاً و أبحثُ في أمر نفسي عن ذلك ، أجدني في يأسٍ لا في قناعة ، و أن نفسي ما عادت تطلبُ أو تشاء أو تتمنى و تأمل ، هي فقط تعيشُ الخيالاتِ هروباً من الواقع ، فالقناعة كلمة لا يفهمها كثيرون ، فحينما استنتجت أن يأسي هو سبب اعتقادي أني قنوع عكستُ الأمر فسألت هل حينما أكون في أملٍ لن أكون قنوعاً ؟ ، فعلمتُ أن القناعة ليس أن يقف المرء في طريق الحياة لا يصعدُ القمم و لا يأمل ، أو أن لا يخطو و لا يتقدم ، أو أن يكون في صفحة الحياةِ هامشاً لا موضوعاً ، و علمتهُ أنهُ هناك فرقٌ شاسع بين اليائس و القانع ، و الآمل و الطامع ، و علمتُ أن القناعة إيمانٌ بما قدرهُ اللهُ أن يكون ، فلا يجزعُ المرءُ على أملٍ و شقاء ، و لا يبكي لفقدهِ عنصر الراحة و الهناء ، لإيمانهُ بعدل الله في تقسيمِ الأرزاق ، و ما أولئكُ الذين يحسبون الله ظلمهم إلا ظالمين أنفسهم كما ذكر اللـه في كتابهِ الكريم ، و ما أزال أنا أتقلبُ بين اثنتان بين اليأسِ و الأمل ، فساعةً أكون قنوعاً فأمسح ما سال من خدي على أملٍ ضاع و حياةٍ ملئها أوجاع ، و ساعةً أكونُ ظالماً لنفسي فأمنعُ يدي من أن تمسح الدمع اليائس من على الخد ، و أستغفرُ الله ألفاً من المرات على ذلك ، و حسبي أنني أقعُ في الحيرة . هذا ماجناه أبي علىَّ وما جنيت على أحد... ماذا تقول فيها؟ هي جملةٌ صحيحة و أوافقها عن واقع تجربة و مشاهدة ، و يقيني أن الله عادلٌ بعقابهِ على ما جنى بعضُ الآباء على أبنائهم ، و هم غداً سيسألون عن مسؤوليتهم إتجاه أبنائهم و أزواجهم ، و عن مدى تقصيرهم و إهمالهم ، و كيف تركوا الإبن فما علموه و لا أرشدوه ، و لا زينوا قلبهُ بالأخلاق و لا للهِ القادرِ أسجدوه ، و لا أُحملُ الآباء ذنوب الأبناء لكن الله أعلمُ و أدرى في حكمه ، و الله أرحم من أن يعاقب طفلاً ما علمهُ الأب و لا أفهمه إلا ما شاء هو أن يُفهمه ، فما كبر الإبن إلا و صار كما صنعهُ أبوه ، يظلمُ و يبطشُ و يطمع ، و لا تهمهُ عيونٌ من حولهِ تدمع ، و دق الكؤوس ببعضها جرياً على طبعِ أبوه . (( يهدي الله من يشاءُ بغير حساب ))
متى تبكي ؟ ولماذا ؟ سؤال جوابهُ طويل ، و لكني سأحاول الإختصار على قدر الإستطاعة ، فلقد أخذت من الوقت أكثر من حقي . قليلاً ما أغرقُ في البكاء ، لكني كثيراً ما أشعرُ بالحزن ، و لكن لحظات بكائي النادرة تكون كحال الأطفال في حين البكاء ، أي ذاك البكاء الذي أبكي فيهِ بشكلٍ طفولي . تُبكيني الذكريات و الماضي المرير ، و تلك الأيام التي كنتُ فيها طفلاً لا أفهم في الحياة شيئاً و الدهر نشب أظافره فيني و مزق قلبي ، و أسالُ الله سؤال الحبيب لحبيبه لا سؤال المظلوم لظالمه ، إلهي يا عزيزُ يا رحيم ؟ إن كانت مصائب اليوم و أوجاعُ اليوم سببها عصياني لك و ابتعادي عنك ، فما حكمتك الجميلة في مصائبٍ نزلت عليّ يوم كنتُ طفلاً ، و كان قلبي أبيضاً رقيقاً لا تُسجل الملائكة على ما أفعله جرماً و لا ذنبا ؟! ، فيا ربُ ابعد عني آثار مصائب الطفولة و امسح من خدي ما سال منها و من أثرها ، و لا بأس أن تعاقبني بجرمٍ ارتكبتهُ يوم كنتُ عاقلاً لا جاهلاً ، و أن تبقِ في قلبي مرارة ذنبٍ ارتكبته في حق نفسي ، يوم ما ركعتُ لك في الليالي الظلماء ، و ما سجدتُ لك في أيام اليأس و الشقاء ؛ يُبكيني الحديثُ مع ربي ، و أخجلُ يوم أطلبُ منه شيئاً لأني ما قدمتُ لهُ شيئاً و هو يعطيني و أنا لا أحمدهُ إلا نادراً ، و لا أشكرهُ إلا قليلا . يُبكيني أن أرى الفضائل لا وجود لها و أثرها كآثارِ الحضاراتِ لم يبق منها إلا أبنيةٌ على وشك الوقوع ، زوارها قلة ، و عشاقها قلة ، و يُبكيني أن أرى الرذيلة سمو الناس و عزتهم و فخرهم ، و أن يخجل الرجلُ يوم يرى أن محفظتهِ خاليةٌ من صور عشيقاته ، و أن تكون أكثرُ الفتياتِ جمالاً هي أقدرهن على إغراء أكبرِ عددٍ من الرجال ، و كيف أن بإستطاعتها أن تحول الرجال جميعاً إلا خواتمٍ في إصبعها ، يُطيعيون أمرها ، و يأخذون بمشورتها ؛ و أن أرى الأبطال قلة ، و أتباعهم قلة ، فما زال الكثيرون يجزمون بخسارتهم في حربٍ قاموا بها ، فإذا ما انتصروا نسبوا النصر لهم و اجتمعوا حول الأبطال يقتسمون الغنائم ؛ يُبكيني و يُبكيني و يُبكيني و ما أكثر ما يُبكيني على الفضيلة . هذا ما يُبكيني أخيتي ، و هذا ما يجعلُ الدموع تتجمعُ في خدي و تتراكم ، و هذا ما يجعلني أعتكف عن رؤية الناسِ أياماً طوال ، و أعتزم العزلة و الوحدة في ساعةٍ من ساعات حياتي ، و أظنُ أن سؤالكِ عن سبب البكاء موجودٌ فيما كتبت ، و اعذريني على قصر ما كتبت .